يرفعون المفعول وينصبون الفاعل، وليس شيء فوق هذا مما يمحق كل ما يرجونه
من فوائد الإعراب. ومن أحاط علما بكل ما نقل في هذا الباب أو أكثره لا يجد
قاعدة مما بنوه إلا وهي منقوضة بشيء آخر قد سموه من شواذ اللغات. فأي ضرر
يحدث من هذه اللغة التي تهمل فيها الحركات ويسد فيها باب الإعراب؟ ألم تروا أن
هؤلاء القوم يتفاهمون والحالة هذه تمام التفاهم؟
ولقد تقصيت كثيرا من الدواوين المنسوبة إلى شعراء الجاهلية والمخضرمين
فألفيت فيها كثيرا مما قد خالفوا فيه قواعد الإعراب مخالفة ظاهرة واضحة لا تحتمل
التأويل، وإنما قلت: إنها ظاهرة؛ لأنها واقعة في القوافي، وسأفرد لهذا الموضوع
مبحثا مستقلا بيد أنني آتي هنا بأمثلة تؤيد ما قلته. قال جرير:
حملت أمرا عظيما فاصطبرت له ... وقمت فيه بأمر الله يا عمرا
والقاعدة تقضي أن يقول (يا عمر) بضم الراء. وقال:
فالشمس كاسفة ليست بطالعة ... تبكي عليك نجوم الليل والقمرا
ولا وجه لنصب القمر، وما تكلفوه من التأويل في الإعراب غير مرضي لدى
الأذواق التي سلمت من التمحل. وقال من قصيدة قافيتها نون مكسورة من بحر
الوافر:
عرفنا جعفرا وبني عبيد ... وأنكرنا زعانف آخرين
بكسر النون، والقاعدة تقتضي فتحها وليس كسرها لغة لقومه فيما روي.
وبعد هذا البيت:
أتوعدني وراء بني رياح ... كذبت لتقعدن يداك دوني
وقال من قصيدة قافيتها باء مفتوحة من بحر الوافر:
ألم تران زيد مناة القوم ... قراسية تذل به الصعابا
والقاعدة تقتضي رفع الصعاب بعد قوله: (تذل) بالتاء، وإذا خالفنا الموجود
في النسخ المطبوعة والخطية وقرأناها (تذل) بنون المتلكمين قد يستقيم المعنى ولا
يتأذى الإعراب، فعسى أن تكون صحة الرواية على هذا الوجه. وقال من قصيدة
قافيتها راء مكسورة من الوافر:
لقد نادى أميرك بابتكار ... ولم يلووا عليك ولم تزار
والقاعدة تقضي بأن تكون الكلمة التي بعد (لم) الثانية (تزر) لا (تزار) .
وأنا لا أقصد بهذا إحداث مذهب جديد - هو إهمال الإعراب - بل أقصد تأييد
أن اللغة العربية التي كانت قبل ثلاثة عشر قرنا أو أربعة عشر قرنا أو أكثر هي
باقية اليوم في وطنها كما هي لم يطرأ عليها تغير ولاسيما عند أهل الخيام العريقين
بها، وأقصد أيضا أن أذكر الناس بأن إهمال الإعراب لا يضر هذه اللغة كما لم
يضر كل اللغات الخالية منه.
وأما إهمال ضمير المثنى فلا أدري له سببا بيد أنني لا أراه كبيرا من الأمر؛
بل هو يخفف الكلفة فيما لا حاجة إليه. أقول لا حاجة إليه لأن الضمير لا يذكر إلا
بعد معرفة الاسم الظاهر؛ إما بذكر لفظه أو بسبق وجوده في ذهن المخاطب. فمتى
كان الظاهر معروفا أنه مثنى لم يبق لأجل الإفادة حاجة إلى تثنية الضمير، ولم يكن
من بأس أن يدخل في حكم ضمير الجمع؛ لأن الجمع يصدق على ما فوق الواحد؛
فمتى قلت (الرجلان) لم يضرك من حيث المعنى أن تقول جاءوا، كما تقول ذلك
في الرجال، ومثل هذا إذا قلت (الفارس والراجل تقابلوا) بدل (تقابلا) أو إذا قلت (الفارسان غلبوا) بدل (غلبا) . ولهذا شواهد وأمثلة من اللغة الفصيحة نفسها،
وكذلك لا أقصد بهذا إحداث مذهب جديد في العربية، ولكنني أقصد بيان أن هذا ليس
من التغيير المفسد؛ بل هو استغناء عما لا حاجة إليه.
ومثل هذا يقال في إهمالهم بعض الأدوات تخففا منها أو استغناء بغيرها
عنها، ولا يعزب عن الذي تتبع النقول أن كثيرا من القبائل عندها ما ليس عند
غيرها، ولا يعد ترك الآخرين لمثلها تغييرا للغة.
أثبتنا بما قدمنا أن رأس المال باق على حاله، والآن نذكر القارئ بتلك
الحركة العربية التي ازدان التاريخ بأخبار همم رجالها. فقد نقلت هذه الحركة رأس
المال إلى ديار كثيرة واسعة فربا فيها وزادت الديار العربية والمتكلمون باللغة
العربية، وصارت هذه اللغة لغة علم ودين وسياسة، فدونت بها الدواوين التي لا