تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تحصى في كل فن من فنون المعارف.

وأمامنا الآن من هذا الربح حواضر عظيمة في آسيا وإفريقيا؛ ففي آسيا ديار

العراق استعربت بعد أن كانت فارسية، وحواضر الشام استعربت بعد أن كانت

سريانية وعبرانية ورومية، وفي إفريقيا مصر استعربت بعد أن كانت قبطية،

وطرابلس وتونس والجزائر ومراكش استعربت بعد أن كانت بربرية، ونسمي

مجموع هؤلاء مستعربي الأقطار.

صارت هذه البلاد التي عددنا عربية؛ ولكن ليست عربيتها كتلك العربية

الأولى؛ بيد أن هذا النقص لا يضيرها ولا يخرج بها عن كونها عربية، ولا يعدم

أهلها سهولة إصلاحها ما دام لهم مرجع من الكتب المنقولة التي تصف العربية

الصحيحة أو من العرب الأحياء الذين هم وارثو تلك العربية.

أقول: إن هؤلاء العرب الأحياء مرجع للمستعربين إذا شاءوا إصلاح لغتهم؛

لأن حكمهم على ما أوضحنا كحكم آبائهم الأولين، ولن يمكنك أن تحيط خبرا

بمخارج الحروف مما يصفه لك كتاب سيبويه مثلا كما تحيط بها خبرا إذا سمعتها

من عربي من هؤلاء العرب الذين وصفناهم لك، ولن تستطيع أن تأخذ من الكتب

اللهجة العربية التي عليها المعول، فإنك تجد اليوم للطرابلسي لهجة وللتونسي لهجة

وللعراقي والشامي والمصري، ولا تجد واحدة منه صحيحة حتى إذا سمعت لهجة

البدوي أو الحجازي مثلا رأيت جمالا في اللهجة تعرفه الأذن ولا يستطيع أن يصفه

لك أحد، فإذا سمعت من هذا وذاك من أهل الحواضر ثم سمعت من ذلك العربي

ميزت وحكمت بالفرق وآمنت أن وجود العرب في وطنهم أمان من ضياع

العربية.

وأحب هنا أن أنبه علي أمر ربما استدركه علي بعض المطالعين؛ وهو أن

للعرب الفاتحين بقايا ذراري في الحواضر، وأنه ينبغي أن لا يسلب هؤلاء صفة

العربية ما داموا حافظين سلسة أنسابهم؛ فجوابي لمن يقول هذا القول: إننا الآن في

صدد اللسان واللغة لا في صدد علم النسب، ولا يخفى على اللبيب أن البلاد

التي استعربت لم يكن كل أهلها من سلالة أولئك العرب؛ بل هم خليط أكثرهم من

أهل تلك البلاد الأقدمين قد غلبت العربية على لغتهم فاستعربوا من غير أن يتقنوا

النطق بالعربية كالعرب، وضاع ابن العربي في هذا المجموع من جهة اللسان إذا كان

لم يضع نسبه. ثم حفظ العلماء للكل مخارج العرب وصورة أدائهم الكلمات وأساليب

البيان.

والخلاصة أن عربية المستعربين طرأ عليها فساد؛ ولكن لها حوافظ وأن ذلك

شأنها قبل اثني عشر قرنا، وهذا شأنهم اليوم وقد كان حفظتها ينشطون حينا وينون

حينا.

ولعل المطالع يحب أن يعرف كيف نشاط المستعربين اليوم المنتشرين في

إفريقيا الشمالية ثم سواحل البحر الأحمر وما وراءه شمالا إلى شواطئ الفرات

وغربا إلى شواطئ البحر المتوسط فنقول له إن أبر الديار اليوم باللغة العربية هي

مصر صانها الله وبارك عليها وعلى أهلها، وقبل أن نوضح له برها باللغة العربية

نمر به مرة على جميع مساكن هذه اللغة حتى يكون له نصيب من كل ما يحوم حوم

مادة (ع رب) كما سبقت الإشارة إليه في صدر هذا الكلام.

من انحدر من جزيرة العرب إلى نجد ومنها إلى العراق يجد ثلاث حواضر

تتبعها بلاد كثيرة: البصرة وبغداد والموصل. فأهل ولاية البصرة كلهم يتكلمون

بالعربية، وأهل ولاية بغداد أكثرهم يتكلمون بها، وأهل ولاية الموصل أكثرهم

أكراد بيد أن حاضرة هذه الولاية عربية، وفي عربية العراق في الجملة كثير من

الدخيل ولاسيما في ولاية الموصل، والعربية في العراق واقفة على ما تركها أهل

القرون الماضية من العامية لحرمانهم من الصحافة العربية، ولولا العلماء

والمتعلمون لأضر بها هذا الوقوف. ومن سار من ولاية الموصل إلى الغرب يلقى

في طريقه من الديار العربية ولاية حلب؛ وحلب محسوبة من الشام ولكن ولاية

حلب شأنها في هذا الباب عجب؛ فإن فيها كثيرا من القرى التركية إلى جانب

القرى العربية وكل من أهل هذه وتلك محافظون على لسانهم وملم أكثرهم بلسان

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ٤١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ٤١٠