النسخ في الشرائع الإلهية
للدكتور محمد توفيق أفندي صدقي
الطبيب في مستشفيات سجن طره
النسخ هو إبطال حكم لبدل أو لغير بدل. وهو واقع في جميع الشرائع الإلهية
والوضعية، خلافا لمن أنكر ذلك من الجهلاء. أما الشرائع الوضعية فوقوعه فيها
مشاهد معروف. وأما الإلهية فشواهد وقوعه فيها عديدة، أغنتنا عن إيرادها مؤلفات
كثيرة بين الأمة الإسلامية أشهرها (إظهار الحق) لمؤلفه العلامة المحقق رحمة الله
الهندي. فقد أتى فيه بما يفحم كل مكابر، ويخرس كل عنيد.
يقع النسخ على ضربين:
(1) نسخ بعض شريعة رسول سابق بشريعة آخر لاحق.
(2) ونسخ حكم في شريعة بحكم آخر فيها.
والسبب في وقوعه اختلاف حال المكلفين باختلاف الزمان والمكان. فما
يلائم البشر في زمن طفوليتهم، قد لا يلائمهم في زمن كهولتهم وشيخوختهم. كما
أن ما يوافق الإنسان في صحته قد لا يوافقه في زمن مرضه، لذلك اقتضت
حكمة الشارع العليم أن ينسخ من شرائعه ما أصبح غير مناسب. قال الله تعالى:
﴿لكل أجل كتاب﴾ (الرعد: 38) ﴿يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب﴾ (الرعد: 39) .
فالنسخ عندنا لا يقع إلا في الأحكام (الأوامر والنواهي) ولا يقع في
القصص أو في القضايا العقلية؛ إذ لا معنى لوقوعه في ذلك، كما أنه لا معنى
لوقوعه في الألفاظ. فلسنا ممن يسلم القول بنسخ لفظ بلفظ كما يتوهمون. أو بنسخ
لفظ وإبقاء حكمه كما يزعمون، إذا لو سلم ذلك لكان دليلا على جهل الشارع أو
خطأه أو عبثه. فسبحان ربك واسع العلم والحكمة عما يصفون.
قدمنا ذلك لنعلم أن النسخ لمقتض أو لحكمة لا عيب فيه عند العقل، وهو
واقع بالفعل، فإنكاره جهل أو مكابرة للمحسوس.
كما وقع النسخ في الشرائع السابقة، كذلك وقع في الشريعة الإسلامية؛
لمقتضيات الأحوال في الأمة العربية زمن التشريع. فكان للشريعة إذ ذاك صورتان:
(1) صورة تمهيدية وقتية.
(2) وصورة ثابتة باقية.
فالصورة الأولى هي التي صارت منسوخة لا يعمل بها. والصورة الثانية هي
التي لم تنسخ، وطولب الناس أجمعون بالعمل بها. أما الصورة الأولى فنجد لها
أمثلة عديدة في الأحاديث النبوية. وأما الصورة الثانية فأمثلتها كثيرة في الكتاب
(القرآن الشريف) .
وإذا فتشنا الأحاديث المنسوخة وجدنا بعضا منها نسخ بأحاديث مثلها،
والبعض الآخر نسخ بالقرآن. وإذا فتشنا القرآن لا نجد فيه ما نسخ بقرآن مثله
ولا ما نسخ بحديث، كما بينا ذلك في مقالة لنا نشرت سابقا في المنار (في الجزء
الثاني من المجلد التاسع صحيفة 110) . فالقرآن لا يجوز أن ينسخ بالسنة ولو
كانت متواترة، وبه قال الإمام الشافعي- رضي الله عنه - وليس فيه منسوخ مطلقا
كما قال بعض أئمة المفسرين كأبي مسلم الأصفهاني. وكما دل على ذلك الاستقراء
والدليل.
الكلام في الناسخ والمنسوخ في الشريعة الإسلامية، نشأ بين المسلمين منذ
نشوءها؛ إذ لا يمكن الاستغناء عن البحث فيه بعد معرفة وقوعه فيها. فكان إذا
سمع أحد الصحابة حكما وعلم ما يخالفه، بحث في أيهما نسخ الآخر حتى يتضح له ما
يجب العمل به. فلا غرابة إذا سمعنا فيما روي عنهم أن فلانا منهم قال: إن هذا الحكم
منسوخ بذاك.
وقد نعثر في الروايات على قول من يقول بخلاف قوله، وقد لا نعثر. ولكن
جميع هذه الروايات لا يمكن القطع بصحتها، وخصوصا ما كان واردا في تفسير
القرآن الشريف؛ لكثرة المكذوب منها، حتى قال أحد الأئمة وهو الإمام أحمد:
(ثلاثة لا أصل لها التفسير والملاحم والمغازي) ولا يخفى على أحد قدر الإمام أحمد
في علم الحديث. ولذلك لا يمكننا معرفة رأي الصحابة في موضوع النسخ في القرآن
على سبيل اليقين. وغاية ما يظهر لنا من الآثار المختلفة على علاتها أن بعضهم يقول
بجواز وقوع النسخ فيه؛ كعمر وابن عباس. والبعض الآخر كأبي بن كعب ينكر
ذلك (أو على الأقل ينكر جواز نسخ أي عبارة من عبارات القرآن الشريف، إن سلم