تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لأنهم كانوا مستعدين له بالفطرة وليس للتقاليد سلطة على أفكارهم فنجحوا ونفخوا

روح التعليم الغربي في نفوس مواطنيهم ثم سرت هذه الروح تدريجا من طبقة إلى

أخرى حتى كان من أمر اليابان ما نراه الآن. ولولا كفاءتهم وصفاتهم الأدبية

وميلهم الغريزي إلى الأصول الأوربية لعاد مسعاهم في تحصيل التعليم الغربي وبالا

عليهم اه.

(المنار)

العبرة في هذا الكلام كله ظاهرة لمن له عين تبصر، وأذن تسمع، وعقل

يفكر، وقلب يشعر، فقد سبق قومنا اليابانيين في هذه البلاد وفي الآستانة إلى

اقتباس التعليم الغربي والمدنية الأوربية بنحو نصف قرن، وهذه حالنا في الانقسام

والتفرق؛ ففي مثل هذه المباحث فلتبحث الجرائد بأقلام كتابها وأقلام سائر الكاتبين

المتبصرين.

-----------------

<span class="footnote">

</span></span>

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

حجة الإسلام

أبو حامد الغزالي

(4)

تتمة الكلام في رأيه في العلوم الدنيوية

(تابع لما في الجزء التاسع)

(مقدمة رابعة) [1] من عظائم حيل هؤلاء في الاستدراج إذا ورد عليهم

إشكال في معرض الحجاج قولهم: إن هذه العلوم الإلهية غامضة خفية وهي

أعصى العلوم على الأفهام الذكية؛ ولا يتوصل إلى معرفة الجواب عن هذه

الإشكاليات إلا بتقديم الرياضيات والمنطقيات. فمن يقلدهم في كفرهم إن خطر له

إشكال على مذهبهم يحسن الظن بهم ويقول: لا شك أن علومهم مشتملة على

حله؛ وإنما يعسر علي دركه لأني لم أحكم المنطقيات ولم أحصل الرياضيات.

(فنقول) أما الرياضيات التي هي نظر في الكم المنفصل وهو الحساب

فلا تعلق لها بالإلهيات، وقول القائل إن الإلهيات تحتاج إليها خرق كقول القائل:

إن الطب والنحو واللغة يحتاج إليها الحساب أو الحساب يحتاج إلى الطب. وأما

الهندسيات التي هي نظر في الكم المتصل يرجع حاصله إلى بيان أن السموات

وما تحتها إلى المركز كروي الشكل وبيان عدد طبقاتها أو بيان عدد الأكر

المتحركة في الأفلاك، وبيان مقدار حركاتها، فلنسلم لهم جميع ذلك جدلا أو

اعتقادا فلا يحتاجون إلى إقامة البراهين عليه ولا يقدح ذلك في شيء من النظر

الإلهي؛ وهو كقول القائل: (العلم بأن هذا البيت حصل بصنع صانع بناء عالم

مريد قادر حي يفتقر إلى أن يعرف أن البيت مسدس أو مثمن وأن يعرف عدد

جذوعه وعدد لبناته) وهو هذيان لا يخفى فساده وكقول القائل: (لا يعرف

كون هذه البصلة حادثة ما لم يعرف عدد طبقاتها ولا يعرف كون هذه الرمانة

حادثة ما لم يعرف عدد حباتها) وهو هجر من الكلام مستعبث عند كل عاقل.

نعم قولهم: إن المنطقيات لا بد من أحكامها، هو صحيح. ولكن المنطق

ليس مخصوصا بهم؛ وإنما هو الأصل الذي نسميه في فن الكلام: (كتاب

النظر) فغيروا عبارته إلى المنطق تهويلا، وقد نسميه كتاب الجدل وقد نسميه

مدارك العقول، فإذا سمع المتكايس والمستضعف اسم المنطق ظن أنه فن

غريب لا يعرفه المتكلمون ولا يطلع عليه إلا الفلاسفة، ونحن لدفع هذا الخيال

واستئصال هذه الحيلة في الإضلال نرى أن نفرد القول في مدارك العقول في

غير هذا الكتاب ونهجر فيه ألفاظ المتكلمين والأصوليين؛ بل نوردها بعبارات

المنطقيين ونصبها في قوالبهم ونقتفي آثارهم لفظا لفظا ونناظرهم في هذا

الكتاب بلغتهم - أعني بعباراتهم في المنطق - ونوضح أن ما شرطوه في

صورته في كتاب القياس وما وضعوه من الأوضاع فى إيساغوجي

وقاطيغورياس [2] التي هي من أجزاء المنطق ومقدماته لم يتمكنوا من الوفاء

بشيء منه في علومهم الإلهية؛ ولكنا نرى أن نفرد مدارك العقول في غير هذا

الكتاب فإنه كالآلة لدرك مقصود هذا الكتاب ونفرد له كتابا مفردا، يرجع إليه

ولكن رب ناظر يستغني عنه في الفهم فيؤخره حتى يعرض عنه من لا يحتاج إليه

ومن لا يفهم ألفاظنا في آحاد المسائل في الرد عليهم. فينبغي أن يبتدئ أولا بحفظ

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ٤٠٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ٤٠٣