تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تقريظ المطبوعات

(اللص والقاضي)

عن محمد بن مقاتل الماسقوري قاضي الري قال: كان محمد بن الحسين

يكثر الإدلاج إلى بساتينه فيصلي الصبح، ثم يعود إلى منزله إذا ارتفعت الشمس

وعلا النهار، قال محمد بن مقاتل فسألته عن ذلك، قال: بلغني في حديث عن

النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (حبب إلي الصلاة في الحيطان)

وذلك أن أهل اليمن يسمون البستان الحائط، قال محمد بن الحسين: فخرجت

إلى حائط لأصلي فيه الفجر؛ رغبة في الثواب والأجر، فعارضني لص جريء

القلب، خفيف الوثب في يده خنجر كلسان الكلب، ماء المنايا تجول على فرنده،

والآجال تحول في حده، فضرب يده إلى صدري، ومكن الخنجر من نحري،

وقال لي بفصاحة لسان وجراءة جنان: انزع ثيابك واحفظ إهابك، ولا تكثر

كلامك، تلاق حمامك ودع عنك اللوم، وكثرة الخطاب، فلا بد من نزع الثياب.

فقلت له: يا سبحان الله، أنا شيخ من شيوخ البلد، وقاض من قضاة المسلمين،

يسمع كلامي ولا ترد أحكامي، ومع ذلك فإني من نقلة حديث رسول الله - صلى

الله عليه وسلم - منذ أربعين سنة، أما تستحي من الله أن يراك حيث نهاك. فقال:

يا سبحان الله، أنت أيضا أما تراني شابا ملء بدني أروق الناظر وأملأ الخاطر

وآوي الكهوف والغيران، وأشرب القيعان والغدران، وأسلك مخوف المسالك،

وألقي بيدي في المهالك، ومع ذلك فإني وجل من السلطان، مشرد عن الأهل

والأوطان، وأخشى أن أعثر بواحد مثلك وأتركه يمشي إلى منزل رحب، وعيش رطب، وأبقى أنا هنا أكابد التعب، وأناصب النصب، وأنشأ اللص يقول:

تري عينيك ما لم تر إياه ... كلانا عالم بالترهات

قال القاضي: أراك شابا فاضلا ولصا عاقلا ذا وجه صبيح ولسان فصيح،

ومنظر وشارة، وبراعة وعبارة. قال اللص: هو كما تذكر، وفوق ما تنشر. قال

القاضي: فهل لك إلى خصلة تعقبك أجرا، وتكسبك شكرا، ولا تهتك مني سترا؟

ومع ذلك فإني مسلم الثياب إليك، ومتوفد بعدها عليك، قال اللص: وما هذه

الخصلة؟ قال القاضي: تمضي معي إلى البستان، فأتوارى بالجدران، وأسلم إليك

الثياب، وتمضي على المسار والمحاب. قال اللص: سبحان الله! تشهد لي بالعقل

وتخاطبني بالجهل ويحك، من يؤمنني منك أن يكون لك في البستان غلامان جلدان

علجان، ذوا سواعد شديدة، وقلوب غير رعديدة، يشداني وثاقا، ويسلماني إلى

السلطان، فيحكم في آراءه، ويقضي علي بما شاءه، قال له القاضي: لعمري، إنه

من لم يفكر في العواقب فليس له الدهر بصاحب، وخليق بالرجل من كان السلطان له

مراصدا، وحقيق بأعمال الحيل من كان لهذا الشأن قاصدا، وسبيل العاقل أن لا

يغتر بعدوه؛ بل يكون منه على حذر؛ ولكن لا حذر من قدر، ولكن أحلف لك ألية

مسلم، وجهد مقسم، أني لا أوقع بك مكرا، ولا أضمر لك غدرا.

قال له اللص: لعمري، لقد حسنت عبارتك ونمقتها، وخشنت إشارتك

وطبقتها، ونثرت خيرك على فخ ضيرك، وقد قيل في المثل السائر على ألسنة

العرب: (أنجز حر ما وعد) (أدرك الأسد قبل أن يلتقي على الفريسة لحياه ولا

يعجبك من عدو حسن محياه) ، وأنشد

لا تخدش وجه الحبيب، فإنا ... قد كشفناه، قبل كشفك عنه

واطلعنا عليه والمتولي ... قطع أذن العيار، أعير منه

ألم يزعم القاضي أنه كتب الحديث زمانا، ولقي فيه كهولا وشبانا، حتى فاز

ببكره وعونه، وحاز منه معنى متونه وعيونه، قال القاضي: أجل. قال اللص:

فأي شيء كتبت في هذا المثل الذي ضربت لك فيه المثل، وأعملت الحيل؟ قال

القاضي: ما يحضرني في هذا المقام الحرج حديث أسنده، ولا خبر أورده، فقد

قطعت هيبتك كلامي، وصدعت قبضتك عظامي، فلساني كليل، وجناني عليل

وخاطري نافر، ولبي طائر، قال اللص: فليسكن لبك، وليطمئن قلبك، اسمع ما

أقول، وتكون بثيابك حتى لا تذهب ثيابك إلا بالفوائد. قال القاضي: هات. قال

اللص: حدثني أبي عن جدي عن ثابت البناني عن أنس بن مالك قال، قال:

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ٦١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ٦١