وخير البلاد، آمين.
-----------------
<span class="footnote">
(*) راجع خبر الحفلة في باب الأخبار والآراء.</span></span>
الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">
حجة الإسلام
أبو حامد الغزالي
(3)
رأيه في العلوم الدنيوية
قال في بيان العلم الذي هو فرض كفاية من الباب الثاني من كتاب إحياء العلوم
الذي بين فيه العلوم المحمودة والمذمومة.
(اعلم أن الفرض لا يتميز عن غيره إلا بذكر العلوم. والعلوم بالإضافة إلى
الغرض الذي نحن بصدده تنقسم إلى شرعية وغير شرعية، وأعني بالشرعية ما
استفيد من الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه، ولا يرشد العقل إليه مثل الحساب،
ولا التجربة مثل الطب، ولا السماع مثل اللغة.
فالعلوم التي ليست بشرعية تنقسم إلى ما هو محمود، وإلى ما هو مذموم،
وإلى ما هو مباح. فالمحمود ما ترتبط به مصالح الدنيا كالطب والحساب، وذلك
ينقسم إلى ما هو فرض كفاية، وإلى ما هو فضيلة وليس فريضة.
أما فرض الكفاية فهو ما لا يستغنى عنه في قوام الدنيا كالطب؛ إذ هو
ضروري في حاجة بقاء الأبدان. وكالحساب فإنه ضروري في المعاملات، وقسمة
الوصايا والمواريث وغيرها. وهذه هي العلوم التي لو خلا البلد عمن يقوم بها حرج
أهل البلد، وإذا قام بها واحد كفى وسقط الفرض عن الآخرين. فلا يتعجب من
قولنا: إن الطب والحساب من فروض الكفايات، فإن أصول الصناعات أيضا من
فروض الكفايات كالفلاحة والحياكة والسياسة، بل الحجامة والخياطة، فإنه لو خلا
البلد من الحجام تسارع الهلاك إليهم وحرجوا بتعريضهم أنفسهم للهلاك [1] ، فإن الذي
أنزل الداء أنزل الدواء [2] وأرشد إلى استعماله وأعد الأسباب لتعاطيه، فلا يجوز
التعرض للهلاك بإهماله.
وأما ما يعد فضيلة لا فريضة؛ فالتعمق في دقائق الحساب وحقائق الطب
وغير ذلك مما يستغنى عنه. ولكنه يفيد زيادة قوة في القدر المحتاج إليه.
وأما المذموم منه؛ فعلم السحر والطلمسات، وعلم الشعوذة والتلبيسات.
وأما المباح منه؛ فالعلم بالأشعار التي لا سخف فيها، وتواريخ الأخبار وما
يجري مجراه) اه.
أقول: لا يظهر وجه ما قاله في الأشعار التواريخ، إلا فيمن يقرأهما لمحض
التسلي والتفكه. فأما قراءة الأشعار لأجل معرفة اللغة - مفرداتها وأساليبها -
واكتساب ملكة البلاغة وتمييز الصحيح والفصيح من غيره، فهو على قاعدته من
فروض الكفاية، بل ربما يستنبط من كلام له في كتاب (إلجام العوام من علم الكلام)
أن معرفة اللغة العربية فرض عين على كل مسلم، بحيث يفهم الكلام البليغ ويميز
بين الحقيقة والمجاز والكناية، فإنه قال هنالك:
إن ما ورد في الكتاب والسنة من أسماء الله وصفاته وأفعاله لا يجوز أن يؤخذ
بالترجمة؛ فإن غير العربية لا تؤدي ما يؤديه القول الوارد فيها على وجهه في
كل صفة من تلك الصفات، وضرب لذلك الأمثال.
وأما تواريخ الأخبار - ولعله يعني بهما ما يقابل تواريخ المحدثين - فقد كانت
في زمنه قليلة الفائدة، وهي في هذا العصر مادة السياسة التي قال بأنها فريضة،
وينبوع العلوم الاجتماعية التي تشرح لنا سنن الله- تعالى - في الأمم، وهو يعد
العلم بسنن الله - تعالى- في خلقه كالعلم بصفات الله وكماله أعلى العلوم الدينية،
كما سيأتي عنه. فلو كان في هذا العصر لقال في الشعر والتاريخ قولا مفصلا على
نحو ما قلنا.
رأيه في علوم الفلسفة
ثم تكلم عن العلوم الشرعية، وأورد على نفسه هذا السؤال (فإن قلت فلم لم
تورد في أقسام العلوم الكلام والفلسفة، وتبين أنهما مذمومان أو محمودان) وأجاب
عن علم الكلام بما سنذكره في الكلام عن العلوم الدينية وإن كان لا يعده منها، وعن
الفلسفة بما يأتي:
وأما الفلسفة فليست علما برأسها، بل هي أربعة أجزاء:
(أحدها) الهندسة والحساب وهما مباحان كما سبق، ولا يمنع عنهما إلا من