تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

مصاب مصر بقاسم بك أمين

يموت كل يوم خلق كثير , فيخلفهم مثلهم , فتمسي الأمة وتصبح وكأنها لم تفقد

أحدا. ولكن في الناس أفرادا امتازوا بالمزايا النادرة في قومهم , فأولئك إذا مات

الواحد منهم يشعر أهل البصيرة من أمتهم بأنهم فقدوا من لا يقوم مقامه غيره , ولا

يعمل عمله سواه. ومن هؤلاء الأفراد من فقدته مصر اليوم ألا وهو قاسم بك أمين

القاضي بمحكمة الاستئناف الأهلية , ونائب رئيس إنشاء الجامعة المصرية , ومؤلف

كتابي (تحرير المرأة) و (المرأة الجديدة) اغتالته المنية فجأة (في 21 من

هذا الشهر) فلم تنذره بمرض ولا سقم , بل لم تنذر عقلاء البلاد ليعدوا لهذا

الخطب عدته، ويأخذوا للمصاب أهبته بتوطين النفس على الصبر، وتوجيه قواها

إلى الجلد والتجلد.

امتاز قاسم بك أمين بمعظم المزايا التي تعوز المصريين في سبيل الحياة

الاستقلالية التي ولوا وجوههم شطرها.

امتاز باستقلال الفكر , وجودة الرأي , وصفاء الذهن , وسعة الخيال , وقوة

الإرادة , والعدل في الحكم , والوفاء في الصداقة , والإخلاص للبلاد , وكان مع هذا

من علماء الحقوق والأخلاق والاجتماع والفلسفة العقلية , وقد وجه همته في السنين

الأخيرة إلى فرع من فروع هذه العلوم وهو ترقية البيوت (العائلات) بتعليم النساء

وتهذيبهن , فلم يكتف بكتابيه فيه , بل جعله همه الأكبر إلى أن وافته منيته ولسانه

رطب بذكر تهذيب النساء وتمدينهن , وتمني مشاركة الفتيات المصريات للفتيان في

محافل العلم والأدب. قال ذلك في خطبة فرنسية ألقاها في نادي المدارس العليا قبل

وفاته بساعة أو ساعتين.

كان قاسم بك أمين يعد في استقلاله وفي الحرص على ترقية بلاده من طبقة

يعد رجالها على الأنامل , وهم أصدقاء بعضهم لبعض، مات إمامهم وكبيرهم فكر

أكثرهم على أثره. مات الأستاذ الإمام فتلاه صديقه علي بك فخري أحد أركان

النهضة الوطنية العاملين في ترقية القضاء والمحاكم الأهلية , فحسن باشا عاصم

المصلح في القضاء وفي المعية وقطب إدارة الجمعية الخيرية الإسلامية , فحسن

باشا عبد الرازق الذي كان في مجلس الشورى هو الثنيان، بعد البدء الذي هو

الأستاذ الإمام، وهذا قاسم بك أمين خامسهم فلا غرو إذا تفاقم بالرزيئة به الخطب،

وعظم على البلاد الكرب، فإنه كاد يتحقق به قول الأستاذ الإمام: إن الأمة مصابة

بالعقم وقحط الرجال، فللأمة أن تتمثل اليوم بقول ابن النبيه:

والموت نقاد على كفه ... جواهر يختار منها الجياد

فقد كنا نقول: إن هذا البيت من الشعريات، وصرنا نقول اليوم: إنه من

المشاهدات، ولا ننسى أن مصر فقدت أيضا في هذه المدة القليلة الشيخ أحمد أبا

خطوة نابغة الأزهر، وإبراهيم بك اللقاني الذي كاد يكون في آخر عمره منسيا

لحيلولة المرض بينه وبين العمل , وهو في مقدمة كتاب مصر وخطبائها ومن أركان

النهضة الجمالية الأولى فيها , وكان كلا الرجلين من أصدقاء الأستاذ الإمام أيضا فيا

لله ما كان أشأم فقده على هذه البلاد , فقد ذكرني بما تتابع بعده من خيار الرجال قتل

عمر بن الخطاب إذ فتح على المسلمين باب الفتنة في السلطة , فقتل بعده عثمان

وعلي (رضي الله عنهم أجمعين) .

كمل للأستاذ الإمام قوة الفكر والنظر، مع القدرة والمرانة على القول والعمل،

وكان حسن عاصم أقوى في العمل منه (أي: من نفسه) في القول والنظر، وأما

قاسم أمين فكان نظريا، أكثر مما كان عمليا، فكان يسبح في بحر لجي من الفكر،

ويطير في جو واسع من الخيال، فيؤلف بين الحكم العقلية، وبين التخيلات

الشعرية، فلهذا كان لمكتوبة من التأثير وقوة الجاذبية، ما جعله في مقدمة كتاب

العربية، على قلة اشتغاله بفنونها، وتحصيله لها، وما ذاك إلا أن كلامه يشبهه في

كون روحه أكبر من جسمه، ومعناه يفيض الجمال على صورته، حتى كاد يكون

فكرا مجردا، أو خيالا متوهما.

كان قاسم من الهائمين في رياض الجمال المعنوي , فكان ذلك يرفعه أحيانا عن

عالم المادة وما فيه النصب واللغوب والمصائب في المال والولد والصديق , فيهون

عليه ما أصابه من ذلك , ويفيض عليه الجلد والصبر، ويخيل لي أن لو طال عمره،

وقل عمله، واستراح باله، لانتهى أمره بفلسفة عالية تظهر على لسانه، وتفيض

من قلمه، فتروي أرض مصر بالحكم الجليلة، في غلائل من الشعريات الجميلة،

وناهيك بما في اجتماع الحكمة والشعر، من تربية الشعور والفكر.

على أن ما في هذه الطريقة من الخطأ في الحكم قد يعسر انتزاعه ممن تمكن

فيه , فإن الفكر يتحد فيه مع الوجدان، اتحادا يقل أن يفيد معه البرهان، لذلك كان

لقاسم آراء في فلسفة الأديان، ومستقبل الإنسان، تعد عند المنطقي من الخيالات،

وهو يراها من الحدسيات أو الوجدانيات.

كان فقيد مصر اليوم من أعضاء الجمعية الخيرية الإسلامية الأولين , ولكن

خدمته لها كانت بالرأي لا بالعمل، أما العمل الذي كان يتوق إليه، ويتمنى لو يتيسر

له، فهو أن يؤسس ولو بماله - إن وجد المال - مدرسة لتربية البنات المصريات

على ما يحب ويرى أنه يرقي هذه البلاد.

كان قاسم كنزا مخفيا لا يعرفه إلا أصدقاؤه , وكان أول شيء عرف به في

عالم الأدب رده على الدوق دركور فيما كتبه من الانتقاد على البيوت بمصر لا سيما

مسألة الحجاب وسوء حال النساء المسلمات. كتب الدوق في ذلك كتابا باللغة

الفرنسية , فرد عليه قاسم باللغة الفرنسية , وقد ذكر لنا غير واحد أن عبارته في

رده كانت كعبارة كتاب فرنسا البلغاء. وكان قلمه في ذلك الرد يتدفق غيرة وحماسة ,

وقد بين فيه ما للحجاب من الفائدة , وشنع على ما في أوروبا من التبذل والتهتك

وتجارة الأعراض.

وأخبرني قاسم أنه كان يوم اطلع على ما كتبه الدوق دركور غافلا عن حال

النساء بمصر , فآلمه ذلك النقد والتشنيع , فاندفع إلى الرد بوجدان الغيرة وبعد أن

شفى غيظه، وأرضى غيرته بذلك عاد إلى نفسه وفكر في الأمر , فرأى أن كثيرا

من العيوب التي عاب الدوق بها البيوت المصرية صحيح في نفسه , فبعثه ذلك

إلى درس هذه المسألة قائلا في نفسه: إنه لا ينفعنا إذا كان العيب فينا أن نرد على

من يعيبنا ونبحث عن عيوب قومه , وإنما يجب علينا أن نبحث عن عيبنا ,

فنعرفه ونسعى في إزالته.

وطفق يبحث ويسأل ويفكر في حال البيوت بمصر , ويقرأ ما كتب الإفرنج

في شأن النساء , وانتهى به البحث والتنقيب إلى تصنيف (كتاب تحرير المرأة)

الذي هز مصر هزة شديدة , وشغل جرائدها في تقريظه ونقده زمنا طويلا , وبعث

همة غير واحد من حملة العمائم والطرابيش جميعا إلى التصنيف في الرد عليه ,

وبذلك طار صيت قاسم بك أمين في الآفاق وعرف اسمه في الشرق والغرب , وعد

من المصلحين الاجتماعيين.

ثم ألف كتابه (المرأة الجديدة) لتعزيز رأيه , وتفنيد آراء خصومه , فكان

دون كتاب تحرير المرأة مادة وفائدة وتحريرا وتأثيرا على أنه فوقه صراحة في

المقصد وحرية في القول المخالف لرأي الجمهور وميله.

وقد تولى في السنتين الأخيرتين من عمره الاشتغال بتأسيس (الجامعة

المصرية) فلم يدخر وسعا، ولم يأل جهدا، وكان مناط الأمل في إنجاح هذا

العمل، وأي مصاب ترزأ به البلاد أشد من فقد رجالها عندما يتم استعدادهم، ويكمل

رشادهم، وتعرف الناس قيمتهم، ويشرعون في الأعمال الكبيرة التي يرجى

نهوضهم بها، وينتظر نجاحهم فيها؟ فهذا ما ضاعف الحزن على فقيد مصر اليوم.

حزن العقلاء على قاسم لذاته , وما تحلت به ذاته من المزايا العالية،

وضاعف حزنهم عليه أن كان مصاب البلاد به قريب العهد بمصابها بأصدقائه من

رجال الاستقلال، وما يرقي الأمة من الأعمال، وضاعفه مرة أخرى أن كان في

الوقت الذي بدأ فيه بعمل عظيم، وأنشأت النابتة تعرف من فضله ما يعرف الكهول

والشيوخ من أهل المعرفة والفضل.

يموت الرجل فيبكيه الأهل ويندبه النساء , ولكن قاسما أبكى عظماء الرجال

وأقدرهم على التجلد والاحتمال، وندبه مثل سعد باشا زغلول وفتحي باشا زغلول ,

وإنما أرادا أن يؤبناه , فكان تأبينهما ندبا وتعدادا، وبكاء ونشيجا، أبكى معهما جميع

من بلغ القبر من المشيعين، وذلك ما لم يعهد لسواه من الميتين.

وجملة القول فيه أنه يصدق عليه ما قاله هو في تأبين الأستاذ الإمام من أنه لا

يوجد في الأمة من يملأ الفراغ الذي كان يشغله، فرحمه الله تعالى رحمة واسعة ,

وأحسن عزاء أهله وأصدقائه ووطنه فيه.

-----------------

<span class="footnote">

</span></span>

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١١ · الصفحة ٢٢٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١١ · ص ٢٢٦