وكل من زعم تغيرها كان زعمه مبنيا على الظن والتخمين وضعف علم بالماضي
والحاضر.
فمخارج الحروف في لغة هؤلاء لا تزال كما وصفها لنا الناقلون كسيبويه
وغيره، والمصادر التي نجدها منقولة عن العرب هي موجودة اليوم في لغة هؤلاء
العرب إلا ما أوجده بعض مدوني العلوم أخذا من اللغة نفسها وجريا على سننها.
والاشتقاق من المصادر كله على حاله، وجميع المشتقات تدور في لغة عرب
اليوم على الوجه الصحيح، وإذا كنا نحن نتعلم بعض المشتقات تعلما ويتكلف
المتعلمون منا تصحيحها تكلفا، فإنها موجودة لديهم بالفطرة يتلقونها وهم أطفال
وتصير المعرفة غريزية. قد سمعنا ذلك من صغارهم مثل كبارهم على حد سواء
ولا يحتاج المخالف إلا تجربة بسيطة.
والألفاظ التي تدل على الأمور المحسوسة موجود منها في لغتهم كل ما هو
في المعاجم إلا ما حدث في عهد حضارتهم واتساع دولتهم، وهذا المستثنى ليس دليلا
على تغيرها؛ بل هو دليل على عدم تغيرها؛ لأن بعض ما حدث في الحضارة لم
يحدث لديهم، فهم من هذه الجهة قد بقي لديهم رأس المال لم يتغير وما حدث في
الحضارة هو زائد.
وقواعد التركيب وقوانين الترتيب من التقديم والتأخير والوصل والفصل
والحصر والإظهار والإضمار والإفراد والجمع والأدوات ومواقعها وتأثيرها - باقية
أيضا كما هي.
فإذا كانت المخارج محفوظة، والمصادر ظلت على حالها، والاشتقاق لم
تفسد طرائقه، وأسماء الأشياء لم تتغير، وقواعد التركيب وقوانين الترتيب،
وصيغ الإفراد والتثنية والجموع والضمائر كما هي؛ فأي تغير طرأ على لغة
القوم؟ !
تجد الحضري في مصر والشام مثلا يقول النساء (راحوا) وهو خطأ؛ لأن
الواو ضمير الذكور. وأما البدوي أو ابن جزيرة العرب فإنه يقول النساء رحن
وهو الصواب كما نقل عن الأولين.
وتجد الحضري في مصر يقول: (فلان يضرب) بفتح الراء وفي الشام
يقولون (يضرب) بضم الراء، وكلاهما خطأ. وأما البدوي أو ابن جزيرة العرب
فإنه يقول: (يضرب) بكسر الراء وهو الصواب كما نقل عن الأولين.
ولو أردنا أن نورد الشواهد لهذا لاحتجنا إلى مجلدات، فنحن نستغني عن هذا
بأن نحيل من لم يثق بقولنا على التجربة ومخالطة هؤلاء العرب ولو قليلا.
وإنما يصح أن نعد من التغير تركهم حركات أواخر الكلم؛ هذا إذا صح أن
الأولين كانوا ينطقون بها دائما، وأما إذا صح ما يذهب إليه بعضهم من أن
الحركات لم يكن الأولون يستعملونها إلا في لغة الشعر وحالات مخصوصة فلا
يكون هؤلاء مبتدعين بتركهم سنة من سنن الأولين، ويصح أن نعد من التغير
إهمالهم ضمير المثنى وإهمالهم بعض الأدوات التي يقوم مقامها غيرها أو يمكن
الاستغناء عنها. فمما تركه أكثر القبائل من الأدوات (هل) استغناء عنها بهمزة
الاستفهام أو بقرينة الاستفهام، ومما تركوه (قد) التي للتحقيق والتي للتقليل
استغناء عنها بالقرائن، ومما تركه أكثرهم (لم) التي تدخل على المضارع فتحيل
معنى الفعل المنفي للماضي تركوها استغناء عنها ب (ما) التي تدخل على
الماضي مباشرة فإن (ما ضرب) مثل (لم يضرب) بالتمام، ومما تركوه (لما)
التي تفيد استمرار النفي في الماضي إلى الوقت الحاضر.
هذا كل ما عرفته مما تركوه بعد إمعاني زمنا طويلا في مخاطباتهم وسماع
شعرهم، ورأيتهم أيضا لا يستعملون التنوين إلا للتنكير ولا يحذفون النون لناصب أو
جازم.
وبديهي أن هذا التغير ليس من التغير المفسد، ثم إنه لقلته غير جدير أن
يعد، فأما إهمال الحركات فهو جائز عند أهل الإعراب في حالة الوقف. وماذا على
القوم إذا أجروا الكلمات كلها مجرى الكلمات الموقف عليها، وإذا ضممت إلى هذا
المنزع ما تعرفه من اختلاف لغات الأولين في حالة الإعراب كما نقله إلينا الناقلون لم
يصعب عليك أن تعد إهمال الحركات لغة من اللغات هي خير من بعض تلك اللغات
التي تفسد كل ما نقلوه من قواعد الإعراب؛ فقد نقلوا لنا أن بعض العرب كانوا