سنن الاجتماع
في الحاكمين والمحكومين لهم وجزائهم
طبيعة الاجتماع تقضي بوجود الحكام، ما قضت بوجود النزاع والخصام،
فإذا لم يتغلب على الناس من يحكم فيهم كما يشاء، اختاروا هم لأنفسهم من يحكم
بينهم كما يشاءون؛ لأن ما قضت به سنن الوجود واقع ما له من دافع.
الحكم حاجة من حاجات الناس، يقوم به بعضهم بالنيابة عن الباقين، فهو
كسائر الحاجات من العلوم، والمهن، والحرف كالزراعة، والصناعة، والتجارة
التي يقوم بكل فرع من فروعها من يكفي المجتمع همها، كما يقوم هو بسائر
حاجاتهم، ويكفيهم ما أهمهم. فالحاكمون كغيرهم من العاملين، كل صنف يخدم
مجموع الأصناف، التي يعبر عنها بالشعب أو الأمة، من حيث يخدمونه (وكل
ميسر لما خلق له) ومسير إلى حيث يسوقه استعداده، فمن سابق ومتخلف، ومن
محسن ومسيء، ولكل جزاء، والجزاء إما مال يكفي أو يغني، وإما مال وجاه
يعلي.
جزاء الأعمال التي تتطلبها طبيعة الاجتماع طبيعي مثلها، ولولا ذلك لما
اندفع كل فريق إلى العمل الذي يزين له استعداده جزاءه والغبطة به، فمن يطلب
من الجزاء الطبيعي على العمل أكثر مما تفرضه سنة الاجتماع من الجزاء عليه فهو
باغ، متنكب صراط الحق، غير مقيم لميزان العدل، إذ يطفف لنفسه ويخسر للأمة.
البغي في اقتضاء الجزاء، يكون من الأفراد، ومن الجمعيات، والأصناف،
فالأول: لا تأثير له في إفساد الأمة وتلافيه سهل. وأما الثاني: فهو البلاء المبين؛
لأن قوة الاجتماع هي أعظم القوى. وإنما يتحقق البغي بتحديد قيم الأعمال
والأشياء تحديدا طبيعيا - إن أمكن- أو قانونيا؛ ليكون متجاوز الحد هو الباغي الذي
يجب إرجاعه عن بغيه.
ينجح زيد في بغيه على عمرو، إذا كان أقوى منه علما أو جسما، والحاكم
يفصل بينهما، إذا رفع الأمر إليه، وإلا كان الراضي بالهضيمة مستحقا لها
جزاء على جهله، ومن ذلك ما يقع كثيرا من الحوذية، يطلبون فوق ما حدد لهم في
التعريفة، فالعارف يهددهم، والجاهل قد ينقدهم، والخطب في الأمرين سهل.
وإنما الخطب الجلل: أن يتفق صنف من القائمين بأعمال المجتمع، فيبغون في
طلب الجزاء. ومنه ما يعرف في هذا العصر باعتصاب العمال، ولكن
هذا الاعتصاب يجري في أعمال لم تحدد أجورها تحديدا طبيعيا، ولا شرعيا،
ومسلك العدل في تحديد القانون له دقيق، ولا أرى له وجها ترضى به طبيعة
الاجتماع، إلا أن يكون النسبة بين كسب المالكين وأجور العاملين، ويأبى علينا هذا
المقال أن نخوض فيه، ويرضى لنا أن نرده إلى الحاكمين.
لا نقول: إن اعتصاب العمال من البغي، ولا نقول: إن فيه خطرا على
الشعب، وإنما الخطر العظيم في بغي الحاكمين، الذين يوكل إليهم تلافي بغي
الأفراد والجمعيات من المحكومين لهم.
ما هو نوع عمل الحكام في الأمة؟ وما هو نوع جزائهم عليه؟ جاء في
فاتحة الكلام أن الحاكم إما متغلب بالقوة؛ يحكم كما يشاء، وإما مختار من
المحكومين له؛ فيحكم بينهم بما يشاءون من الشرائع والقوانين، فالحاكم الأول يرى
أن عمله من قبيل إدارة صاحب المزرعة والماشية والعبيد لما يملك، وأن ما يأخذه هو
من قبيل الغلة والريع، وأنه يجب على المحكومين له، أن يقوموا له في مزرعته
الكبيرة (المملكة) بما يطلب، وأن يرضوا بما يفرضه لهم وعليهم والمحكومون له
يرونه سلطانا باغيا، يتربصون به الدوائر على حسب حالهم في العلم والقوة، أو
الجهل والضعف. والحاكم الثاني يعلم كما يعلم المحكومون له أن عمله من قبيل
عمل الأجراء، وأن ما يأحذه من الجزاء المالي عليه أجرة مفروضة، وأن الجزاء
المعنوي وهو الجاه أثر طبيعي لإحسانه في عمله كما لغيره من المحسنين إلى الأمة في
ترقية العلوم والفنون والأعمال. على حسب حال الأمة يكون حكامها في نفس الأمر
الذي تقضي به طبيعة الاجتماع (كما تكونون يولى عليكم) أما حكم الشرع والعقل