تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الأحزاب في مصر

كان يطرق مسامعنا في المجالس، وتبصر أعيننا في الجرائد كلمة (الحزب

الوطني) ولا نجد لها مدلولا، وما زالت الجرائد الإنكليزية تقول: إن في مصر

حزبا وطنيا سياسيا، حتى صار فيها عدة أحزاب، وربما أخذت هذه الجرائد ذلك

من الحركة الوطنية التي قامت في وجه الاحتلال في أوائل ولاية أمير البلاد لهذا

العهد؛ إذ كان متحمس بتلك الحركة يمدح بالوطنية، والمنكر لشيء منها أو

المتقاعس عن مشاركة ذويها يزن بالميل إلى الاحتلال، ثم صار يوصف أهلها

بالحزب الوطني. ويظن بعض المفكرين أن للإنكليز غرضا في وجود الأحزاب

بمصر لا سيما النوع الذي يعرف عندهم بالمتطرف، فكانت كتابة جرائدهم إغراء

بذلك ودعا إليه.

ومن الناس من يقول: إن تسمية أولئك الذين قاموا في وجه الاحتلال حزبا

خطأ عرفي أو لغوي؛ إذ يفهم منه أن في البلاد حزبا آخر أو أحزابا آخرى يناظر

ويعارض بعضها بعضا، ولم يكن في البلاد شيء من ذلك وإنما كان السواد الأعظم

مغبوطا بما ظهر به أولئك الذين يكتبون في مقاومة المحتلين، ويستميلون فرنسا

لمساعدتها عليهم، وما كان يوجد لهم معارض، وكان يوجد أفراد يعتقدون أن ما

قاموا به عقيم أو ضار لما أفادهم النظر في العواقب، ولكن هؤلاء الأفراد لم يكونوا

يعارضون ولا يقاومون، وغاية ما كان يظهر من الواحد منهم أن يكاشف صديقه من

الآخرين برأيه، والصواب أن مثل أولئك يصح أن يطلق عليهم لفظ (حزب) لغة،

فإن الحزب كما في المعاجم جماعة الناس والصنف والطائفة منهم، وقال الراغب:

الحزب: جماعة فيها غلظ. وفي لسان العرب (وحزب الرجل: أصحابه وجنده الذين

على رأيه) ثم قال: (وكل قوم تشاكلت قلوبهم وأعمالهم فهم أحزاب وإن لم يلق

بعضهم بعضا) .

فأنت ترى أن لتسمية أولئك القوم حزبا وجها في اللغة وجيها، ولكن للأحزاب

في أوروبا معنى أخص؛ وهو عبارة عن ارتباط المتشاكلين في القلوب أي الشعور

بالحاجة إلى مصلحة عامة وفي الأعمال لهذه المصلحة بقانون معروف، ولم يوجد

مثل هذا في مصر إلا في هذا العام، فقد تشكل فيه حزب الأمة والحزب الحر

وحزب الإصلاح الدستوري والحزب الوطني، وسمعنا أيضا نغمة حزب آخر سمي

الحزب الجمهوري؛ ولذلك سمي هذا العام بعام الأحزاب، وقال الشيخ عبد المحسن

في قصيدة يذكر فيها مرضه وشيئا من العبرة بحال الزمان وأهله:

وطوارق الأسقام ما برحت ... تنتاب كالأحزاب في مصر

أما موضوع هذه الأحزاب فهو - بحسب ما صرح به زعماؤها - واحد،

المقصد منه خدمة البلاد بالوسائل الممكنة، حتى قيل إن الخلاف بينهم في الألفاظ

والأشخاص فقط. والصواب أن لكل حزب منها قطبا يدور عليه: وهو مؤسس

الحزب ورئيسه الموثوق به عند المؤسسين المتعارفين المستعذبين لمشرب الحزب

إلا حزب الأمة، فإن رئيسه هو ليس المؤسس له الذي تدور عليه سياسته، وإنما

هو منتخب انتخابا حقيقيا لرياسة شركة الجريدة قبل أن يسمى جمهور المؤسسين

أنفسهم حزبا سياسيا. ولهذا يطمع سائر الأحزاب في سقوط هذا الحزب؛ لأن

الشرق لم يتعود الأعمال المشتركة، وإنما قوام أموره بالأفراد؛ ولأن أفراده ليسوا

متفقين على مقاصده ولا متعاضدين فيه، بل منهم من يتربص به الدوائر ويساعد

غيره عليه؛ ولأنه ليس له سلطة يأوي إليها ويعتمد على مساعدتها وإمدادها،

والسلطة في هذه البلاد سلطتان: سلطة الأمير الرسمية في الأحكام الحقيقية في نفوس

الجمهور ميلا، وسلطة الاحتلال الحقيقية في الأحكام والأعمال. وهذا الحزب يريد أن

يكون وسطا بين هاتين السلطتين باسم الأمة، فلا هو مع الإنكليز كما أشيع ولا مع

الأمير فيما يحب الأمير ويرى في السياسة، وإن كان مخلصا كغيره للخديوية نفسها.

هذا هو مبدأ العاملين فيه الآن، فهو لا سند له إلا من ذاته، فإذا نجح كما نحب فذلك

من دلائل ارتقاء الأمة في الأمور الاجتماعية، وإذا هو سقط فسقوطه برهان على

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ٣٣١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ٣٣١