الأخبار والآراء
(المسألة المراكشية وحرب الدار البيضاء)
كتبنا في السنة الأولى للمنار نصيحة فيه لسلطان مراكش؛ أنذرناه فيها بأن
طوفان أوربا لابد أن يفيض على بلاده، فيغمرها إن لم يبادر هو إلى إصلاح شأنها
بما تقتضيه حال العصر من التربية والتعليم، لا سيما تعليم الفنون العسكرية والمالية.
ثم كنا نعيد النصائح والنذر مرة بعد أخرى، وآخر عهدنا بها ما كتبناه في أيام
انعقاد مؤتمر الجزيرة من العام الماضي {وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا
يؤمنون} (يونس: 101) بالأسباب والمسببات وسنن الله تعالى في الأمم، وإنما
يعتمدون في دفع الضر، وحفظ المصالح على الخوارق، وكرامات الأولياء مع
ما درجوا عليه من التقاليد والعادات، لا يقبلون وراء ذلك إصلاحا، ولا يبتغون
بدونه فلاحا، وقد سبق لنا بيان التجائهم إلى قبر مولاي إدريس، وجؤار أهل العلم
الديني عنده بكلمة يا لطيف؛ ليدفعوا بذلك ما طلبته فرنسا من السلطان يومئذ
فليرجع إلى ذلك في المجلد الثامن من أراد.
مرت الأيام والسنون، وأهل هذه البلاد ﴿يفتنون في كل عام مرة أو مرتين﴾ (التوبة: 126) أو مرات ﴿ثم لا يتوبون﴾ (التوبة: 126) من تفريطهم
وغرورهم ﴿ولا هم يذكرون﴾ (التوبة: 126) ، ما حل بأمثالهم من الأمم
والشعوب الجاهلية بحال هذا العصر ورقي أممه، وما يجب من إعداد القوة
لمدافعتها إذا عدت بحسب الاستطاعة، وعلى قدر ما هي عليه من الاستعداد،
وكل ذلك مما يرشد إليه الإسلام، ويفرضه بنص القرآن.
ولكن أين أولئك الجاهلون من الإسلام والقرآن، وهم يعتقدون أن قراءة تفسيره
تميت السلطان، وحياته عندهم أولى من إحياء القرآن، ثم ماذا تفيدهم قراءته إذا
كانوا يعتقدون أن الاهتداء به من الاجتهاد الممنوع بحكم شيوخ التقليد الجامدين، وأن
الدين لا يؤخذ إلا من كتب الفقهاء الميتين، كما يفهمها أصحاب الجاه من الشيوخ
الحاضرين، وهم يرون أن العلوم والفنون والصنائع التي تصنع آلات القوة، كالبنادق
(ويسمونها المكاحل) والمدافع والبوارج الحربية كلها محرمة، لا يجوز للمسلمين
الاشتغال بها، كما يرى ويعتقد ذلك أشباههم من أصحاب العمائم في أكثر بلاد
المسلمين، وبذلك أضاعوا الدنيا والدين وكانوا سبب هلاك المسلمين.
مرت الأيام والسنون، فدخلت (مسألة مراكش) ؛ أي: مسألة محاولة أوربا
استعمارها والاستيلاء عليها في طور جديد، فقد اعتدى بعض المغاربة على العملة
الأوربيين في مرفأ الدار البيضاء، وهي من حواضر مملكة مراكش، ففتح بذلك
لفرنسا باب استعمال القوة في هذا الثغر، فدخلت منه، وذلك ما كانت تبغي.
أصبحت فرنسا مع قبائل المغرب في حرب تعددت وقائعها، فالقبائل تهاجم
الدار البيضاء، فتلاقيها العساكر الفرنسية بمدافعها، ومن ورائها البوارج تساعدها
بمدفعها، فتمزق شمل القبائل، وتنسفهم في الهواء نسفا. ولكن الفرنسيين قد دهشوا
من شجاعة المغاربة واستبسالهم، فسلطوا عليهم عسكرهم من مسلمي الجزائر؛
لعلمهم بأنه لا يفل الحديد إلا الحديد، وقد ترك المغاربة الهجوم إلى حيث تنالهم مدافع
البحر.
مهما عظمت شجاعة المغاربة، فإنها - والجهل قائدها - لا تكفي لحفظ
استقلال البلاد، ولا تدفع عنها ما تريد فرنسا منها، فإن الجهل لا يغلب العلم،
والاختلال لا يعلو النظام، فإذا كان أهل المغرب الأقصى أسودا، فإن العقلاء من
البشر قد عهد منهم التصرف في الأسود وحبسها في بلاد ما هي مواطنها، وما
عهد أن تعيش فيها وجعلها مع ذلك في مواضع النزهة، يأنس برؤيتها حتى
النساء والولدان.
نعم، ينتظر أن تتعب فرنسا في تذليلهم، كما تعبت في الجزائر، ولكن العاقبة
للمتقين كما قال الله تعالى، والتقوى تفسر في كل مقام بحسبه، فهي تفسر في باب
الحرب والصدام باتقاء أسباب الانكسار والخذلان، ولا شك أن فرنسا هي المتقية ما
يجب اتقاؤه في هذا المقام، بالتدبير التام، وإعداد ما تستطيع من قوة، كما أمر الله