خطبة إسماعيل بك عاصم المحامي
التي ألقاها في الحفلة [*] التي أعدها في داره لعلماء الكتاب أصحاب المجلات
المصرية ومحرريها؛ احتفالا بإتمام مجلة المنار للسنة العاشرة من عمرها (مساء
12 شوال سنة 1325 28 نوفمبر سنة 1907) .
بسم الله الرحمن الرحيم
أما بعد حمد الله، والصلاة والسلام على من اجتباه، فإن براعة استهلالي هي
تقديم الشكر والثناء لحضراتكم على إجابة دعوتي، وتشريف هذا الاحتفال الأدبي
بإكمال مجلة المنار الزهراء لصديقنا السيد محمد رشيد رضا السنة العاشرة من
عمرها.
ولعل هذه أول مرة قام فيها إنسان عربي مصري بمثل هذه الحفلة، ودعا إليها
أعاظم أصحاب المجلات، وأفاضل محرريها؛ سرورا وابتهاجا بمجلة علمية أتمت
العقد الأول من عقود الأعداد، وأرجو أن يكون هذا الاجتماع فاتحة لأمثاله في
المستقبل.
إني يا حضرات الأفاضل، عرفت مجلة المنار في السنة الثانية من نشأتها؛
إذ نبهني إليها صديقي المرحوم (نقولا بك توما) الأصولي الشهير، وكان في
يده نسخة منها، قال لي: إنها أحسن مجلة دينية وأفصح صحيفة عربية أدبية،
فأنعمت النظر فيها فألفيتها جديرة بالمطالعة والادخار، وحينئذ تاقت نفسي لمعرفة
محررها، وقابلته فوجدت منه إنسانا فاضلا أديبا، وكاتبا عالما أريبا، كما تشاهدون
وتشهدون. فعاشرته ثمانية أعوام وهو يزداد كمالا في محاسن أخلاقه، وتزداد
مجلته جمالا بالمباحث الأخلاقية العالية والأفكار الصحيحة البعيدة عن التقليد
الأعمى، وبالمقالات الحكمية العمرانية، من الوجهتين الدينية والمدنية، فازداد
حبي له كما ازداد إعجابي بثباته بالرغم من مقاومة الذين لا يفقهون ما يقول أو
يفقهون قوله , ولكنهم يثيرهم عليه الجهل الذي قد يثور بأهله البسطاء على
المصلحين الأذكياء، فازدادت مجلته انتشارا، ولاقت عند أهل الحجا اعتبارا، حتى
غبطه عليها محبوه، وإنما يعرف الفضل ذووه.
ومن المقرر أيها السادة، أن الصحف هنا قسمان: أحدهما سياسي ويغلب عليه
اسم الجرائد، وهي تبحث في الغالب عن الحكومة، وعلاقتها بالأمة والدول،
وعن الأمة وعلاقتها بالحكومة، وعن حقوق كل منهما التي لها أو عليها للأخرى،
وتراقب ما يتجدد من التقنين والتشريع، وتنبه إلى العدالة والاعتدال، والانتصار
للمظلوم، والأخذ بيد صاحب الحق المهضوم، ونحو ذلك. فهي نعم المرشد الأمين
إذا أخلصت في النصح والإرشاد، ولم تسلك سبل التحيز والهوى والعناد.
والقسم الثاني: علمي أدبي؛ ويغلب عليه اسم المجلات. وهي تبحث عن
تقويم الأخلاق وتهذيب النفوس، وتثقيف الطباع وتصحيح الأفكار، وإحياء اللغة التي
بها حياة الأمة، وإنماء الصنائع، والتنبيه إلى المخترعات المفيدة، وبث روح العلوم
النافعة الجديدة، إلى غير ذلك مما يرقي العرفان، ويزداد به العمران.
وهذه ربما كانت أنفع للأمم، وخصوصا للحديثة العهد منها بالمدنية؛ لأنها
مهما تضاربت أفكارها وتسابقت أقلامها، فهي إنما تكون للبحث في مسائل علمية
اجتماعية، أو أمور صناعية عمرانية، فلا يحدث عن احتكاك بعضها بالبعض غير
أشعة تستضيء بنورها العقول.
ولهذا وجب على أرباب المجلات أن يتتبعوا الرذيلة فيطمسوا رسومها،
ويتعاونوا على قلع جذورها من النفوس الضالة بما أوتوا من الهداية والحكمة،
والموعظة الحسنة وقوة البرهان {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم
والعدوان} (المائدة: 2) ، وأن يتبعوا الفضيلة من طريق الشرائع السماوية
والنواميس الاجتماعية ويثبتوها في النفوس، حتى تنطبع في مرآة أخلاق الأمة
وشعورها.
والناس تسعد بالأخلاق ما صلحت ... فإن هم فسدت أخلاقهم فسدوا
فإذا أنتم قمتم بهذه الواجبات، وأديتم المطلوب من مجلاتكم حق الأداء،
فاستنارت بها عقول الأمة وارتقت أفكارها وعظمت نفوسها، فعرفت قيمة الاجتماع
وقوة التعاون، فأوجدت المدارس والمستشفيات والمصارف والكليات والجامعات