أعمال حسن باشا عاصم
كتبنا في الجزء الماضي شيئا عن أخلاق حسن باشا عاصم، ونكتب في هذا
الجزء شيئا عن أعماله، وعمدتنا في هذا وذاك الاختبار، وغرضنا منه بيان طريق
التأسي والاعتبار، وإنما قدمنا الكلام في الأخلاق لأنها هي مصادر الأعمال، فهي
الأصل الأصيل في تفاضل الرجال، ولم نسلك فيما كتبنا ولا فيما نكتبه الآن مسلك
الاستقصاء بل نكتفي بما قل ودل.
تمهيد في تربيته وتعليمه
بالتربية والتعليم يتفاضل المتساوون والمتقاربون في الاستعداد، وقد اتفق
لحسن عاصم منهما ما أظهر استعداده العظيم. كان والده من حاشية محمد باشا
عاصم أحد كبار المديرين في هذا القطر ولم يكن لهذا نسل. وولد حسن في حجره
فسر به وتولى تربيته، بل تبناه وأضاف اسمه إلى اسمه، فعلمه التعليم الابتدائي
والوسطي والعالي، فانتقل من المدارس الابتدائية إلى مدرسة الإدارة (الحقوق)
فكان في طليعة النابغين ثم أرسل مع بعض النابغين إلى فرنسا على نفقة الحكومة؛
للترقي في علوم الحقوق والسياسة، فتلقاهما بجده واجتهاده حتى كان من خير
النابغين وحملة الشهادات العالية فيهما. وكيف لا وهو لم يكن يعرف اللهو والبطالة،
ولا ممن يحفل باللذات والشهوات البدنية، وتلك هي قواطع طريق العلم على طلابه لا
سيما في أوروبا ولا سيما في فرنسا. وما أظن إلا أن بيت محمد باشا عاصم كان نقيا
من اللوث الذي تلطخ به كثير من البيوتات كالسكر وما يتصل به عادة، وكأني بذلك
الرجل وأنا لم أعرفه ولم أعرف عنه شيئا كان بصيرا بالمفاسد التي تدب إلى الناشئين
في السعة، فحال بين ربيبه وبينها، فلم تتدنس نفسه برذائل المترفين ولا بدناءة
المعوزين، فهذه التربية النقية هي التي ساعدته على كمال تحصيل العلوم، حتى كان
وهو ابن الخادم مشرفا للمخدوم بنسبته إليه ومحييا لذكره، ولولاه لما عرفه مثلي ولا
دون اسمه في هذه المجلة الإصلاحية. وكم أفسدت باريس من أولاد الأمراء والوجهاء
الذين هم أرفع من محمد عاصم باشا ذكرا في قومهم.
عمله في القضاء والنيابة:
لما عاد من أوروبا جعلته الحكومة مساعدا للنيابة فوكيلا فرئيسا في الإسكندرية
ثم في طنطا، وكان قد مات محمد عاصم باشا فكان خير خليفة له في أهله، حتى
إنه كان ينفق معظم مرتبه الشهري على قلته في المرتبات التي كان يقوم بها مربيه
الذي مات ولا مال له. بل لم يتعجل في العودة من أوربا إلى مصر إلا لأجل هذا،
فقد كان يبغي الاستزادة من العلم إلى أن يصير دكتورا في العلوم التي كان يشتغل
بها بعد أن نال شهادتها العالية المعبر عنها عندهم بالليسانس، ففاجأة نعي مربيه
فاكتفى بما حصل، ورجع عما كان أمل، وقد كان في النيابة العالم المصلح للنظام
ولحال الاجتماع، إذ كان يتعقب الأشقياء المفسدين وسلبة الأمن المعتدين، حتى طهر
منهم المديريات التي عظم بلاؤها بهم وكان يزجي كل من تحت رياسته في الجد
والاجتهاد، فلا يكادون يجدون ساعة بطالة.
ولما جعل السير سكوت مستشارا قضائيا لمصر، وجه همته إلى إصلاح
المحاكم الأهلية، وكانت مختلة معتلة، فكان يطوف على رجال القضاء والنيابة
يسألهم عن رأيهم في الإصلاح وعما يشكون منه، فما كان يسمع من الأكثرين إلا
عبارات الثناء والإقرار بالرضا عن الحال الحاضرة. حتى ظفر بحسن عاصم
فأخبره هذا بجميع العلل وبطرق علاجها، فجاء به وبصديقه علي بك فخري الذي
رأى فيه مثل نباهته واستعداده، وجعلهما مفتشين للقضاء ثم عضوين للجنة المراقبة
التي أنشئت في نظارة الحقانية، فكانا هما الواضعين لنظام المحاكم الحاضر وطريقة
المراقبة القضائية المتبعة، بل كان حسن عاصم هو الذي اقترح بموافقة رفيقه
اختيار القضاة من أهل الكفاءة بالاستقامة والنباهة واختبار البلاد، كالمتخرجين من
دار العلوم وغيرهم ممن عرف بالعلم والفضل وإن لم يكن متخرجا في مدرسة