تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

سد يأجوج ومأجوج

(س2) من أمين أفندي الشباسي بهندسة عتبره (السودان) .

فضيلة الأستاذ المرشد صاحب مجلة المنار الغراء:

كنا في منزل يتلى فيه القرآن الكريم , فلما جاء ذكر ذي القرنين ويأجوج

ومأجوج والسد قال أحد إخواني: إن هذه القصة لم يظهر لها أثر تاريخي للآن , مع

أنه صار اكتشاف ما على الأرض من قبل ذلك العهد وبعده. قلت له: يا أخي , لعل

هذا الأثر التاريخي يظهر فيما بعد؛ ليكون معجزة للقرآن على ممر الأيام , كما

حصل في قصة فرعون؛ فإنه وعد بأن ينجيه ليكون لمن بعده آية , وقد تحقق ذلك

في هذه الأيام. فقال: يا أخي , إن كلامك هذا هو جواب عليك؛ إذ إن فرعون

وخلافه آثار صغيرة جدا مدفونة تحت الأرض وظهرت، والسد ليس كذلك , وهذا

وجه استغرابي؛ لأن سياق الآية يدلنا على أنه بين جبلين كبيرين , ومن حديد

ونحاس , ومن دونه أمة كبيرة لو فتح لها ذلك السد لدوخت العالم بأسره! فأين هي

تلك الأمة وذلك السد، ورسم الكرة الأرضية أمام نظري أقلب فيه فلا أجد تلك الأمة

ولا ذلك السد.

قلت: يا أخي , إني أظن أن هذه الأمة هي أمة التتار , والسد هو سد الصين

المشهور , وقد خرجت واخترقت آسيا والهند ومصر وأوربا وأخذت الملك من

المسلمين , وأتذكر أني رأيت حديثا في بعض الكتب لا أعرف صحته جاء فيه ما معناه

أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان جالسا مع أصحابه، ففزع , فلما سألوه

عن السبب قال: ويل لأمتي من السيل المنهمل , يشير إلى قرب خروج يأجوج

ومأجوج , فلما خرجوا وأخذوا الملك من المسلمين في عهد ملك التتار فسر علماء

ذلك الوقت هذا الحديث بذلك. وبعد جدال كبير حصل بيننا وعدته بأن أفيده عن يد

فضيلتكم بالجواب القطعي؛ فرجائي أن تفيدوا الجواب على صفحات المنار الأغر

حتى يقتنع المشاغب , كما هو المشهور من فضيلتكم من إيضاح الحقائق ,

ولفضيلتكم الشكر، أفندم.

(ج) سألنا هذا السؤال غير واحد من مصر وروسيا وغيرهما من الأقطار؛

ونقول قبل كل شيء: إن دعوى معرفة جميع بقاع الأرض باطلة؛ فإن بقعة كل

من القطبين لا سيما القطب الجنوبي لا تزال مجهولة.

وقد استدل بعض العلماء على أن السد بني في جهة أحد القطبين بذكر بلوغ ذي

القرنين إلى موضعه بعد بلوغ مغرب الشمس مطلعها , وليس ذلك إلا جهة الشمال , أو

جهة الجنوب. ولا يعترض على هذا القول بصعوبة الوسائل الموصلة إلى أحد

القطبين؛ فإن حالة مدنية ذلك العصر , وحالة الأرض فيها غير معروفة لنا

الآن , فنبني عليها اعتراضا كهذا؛ فما يدرينا أن الاستطراق إلى أحد القطبين أو

كليهما كان في زمن ذي القرنين سهلا , فكم من أرض يابسة فاضت عليها البحار

فغمرتها بطول الزمان , وكم من أرض انحسر عنها الماء فصارت أرضا عامرة

متصلة بغيرها أو منفردة (جزيرة) وكم من مدينة طمست حتى لا يعلم عنها شيء ,

ومن المعلوم الآن من شئون المدنيات القديمة بالمشاهدة أو الاستدلال ما يجهل بعض

أسبابه كالأنوار والنقوش والألوان وجر الأثقال عند المصريين القدماء , فالقرآن

يقول في ذي القرنين: ﴿فأتبع سببا * حتى إذا بلغ﴾ (الكهف: 85-86) كذا

من مطلع الشمس ومغربها وبين السدين، فما هي تلك الأسباب؟ هل هي هوائية

أو كهربائية؟ الله أعلم بذلك.

هذا ما يقال بالإيجاز في رد دعوى معرفة جميع أجزاء الأرض , التي بني

عليها الاعتراض. ثم إن ما بني على هذه الدعوى باطل , وإن فرضنا أنها هي

مسلمة , وذلك أنه يوجد في الأرض موضعان معروفان يحتمل أن السد كان فيهما؛

أحدهما: الموضع الذي يسمى الآن (دربند) بروسيا , ومعناه: السد , وفيه موضع

يسمى (دمرقبو) أي: باب الحديد , وهو أثر سد قديم بين جبلين يقال: إنه من

صنع بعض ملوك الفرس , ويحتمل أن يكون موضع السد.

وقد ذكره ملطبرون في جغرافيته بما يدل على ذلك (راجع ص15و16ج

3) وأخبرني مختار باشا الغازي أنه رأى خريتة جغرافية قديمة لتلك الجهات ,

وفيها رسم ذلك المكان , وبيان أن وراءه قبيلتين اسم إحداهما: (آقوق) واسم

الثانية: (ماقوق) وتعريب هذين اللفظين بيأجوج ومأجوج ظاهر جلي.

وأما الموضع الثاني , فإننا نترجم ما جاء فيه عن بعض التواريخ الفارسية

على غرابته وهو:

في الشمال الشرقي من مدينة صنعاء التي هي عاصمة اليمن بعشرين

مرحلة (مائة وبضعة فراسخ) مدينة قديمة تسمى الطويلة. وفي شرقي هذه المدينة

واد عميق جدا , يحيط به من ثلاث جهات جبال شامخة منتصبة , ليس فيها مسالك

معبدة , فالمتوقل فيها على خطر السقوط والهوي , وفي الجهة الرابعة منه سهوب

فيحاء , يستطرق منها إلى الوادي ومنه إليها , وفجوة الوادي من هذه الجهة

تبلغ خمسة آلاف ذراع فارسي (الذراع الفارسي متر وأربعة سنتيمات) وفي هذه

الفجوة سد صناعي يمتد من أحد صدفي الجبلين إلى الآخر , وهو من زبر الحديد

المتساوية المقدار , فطول هذا السد خمسة آلاف ذراع , فأما سمكه فخمسة عشر شبرا

وأما ارتفاعه فيختلف باختلاف انخفاض أساسه وارتفاعه؛ لأن أرضه غير

مستوية.

في القرن العاشر للهجرة لما فتح سنان باشا القائد العثماني اليمن وصل

إلى قلعة تسمى تسام , واقعة بجوار هذا السد , فأمر بعد زبر الحديد المبني بها

السد , فقصارى ما تيسر لهم عده منها تسعة آلاف. في طرفي هذا السد قلعتان

عظيمتان , محكمتا البناء , قديمتان، تسمى إحداهما قلعة العرصة والثانية قلعة

الباحثة.اه

فهذا الوصف ينطبق على ما جاء في القرآن من وصف السد , وبلاد اليمن هي

فيما يظهر بلاد ذي القرنين؛ لأن هذا اللقب من ألقاب ملوك العرب الحميريين في

حضرموت واليمن المعروفين بالأذواء (كذي يزن وذي الكلاع وذي نواس)

ولكن إن صح وجود السد , فأين يأجوج ومأجوج منه , وهم التتر كما ورد في تاريخ

السوريين قبل الإسلام أو السكيثيين الذين وصفهم حزقيال النبي بما ينطبق على

وصفهم في تواريخ اليونان. ويعدهم النصارى رمزا لأعداء الكنيسة.

ثم إن لم يكن السد المذكور في القرآن هذا ولا ذاك , ولم يكن فيما بقي مجهولا

من الأرض؛ فلم لا يجوز أن يكون قد اندك , وذهب أثره من الوجود؟ إن قيل يمنع

من ذلك أن اندكاكه , وخروج يأجوج ومأجوج من علامات الساعة أجبنا بجوابين؛

(أحدهما) : أن قرب الساعة يمتد ألوفا من السنين؛ بدليل أن نبينا نبي الساعة ,

وقرب الساعة نسبي؛ أي: ساعة هو قرب بالنسبة إلى ما مضى من عمر الأرض ,

وما يدرينا أنه ملايين من السنين. (وثانيهما) : أن هناك ساعة عامة وساعة

خاصة؛ أي: هلاك أمة معينة كما ورد في شرح بعض الأحاديث الواردة في

الساعة. وربما عدنا إلى التفصيل في هذه المسألة.

-----------------

<span class="footnote">

</span></span>

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١١ · الصفحة ٢٧٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١١ · ص ٢٧٤