تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وعلمه الصبيان في المكاتب شرقا وغربا، بقي كذلك عشرة أعوام وأشهرا

والمسلمون لا اختلاف بينهم في شيء، ملة واحدة ومقالة واحدة. والمسلمون إذ مات

عمر، وإن لم يكن عندهم زيادة على مائة ألف مصحف من مصر إلى العراق إلى

الشام إلى اليمن فما بين ذلك، فلم يكن أقل من ذلك؛ لأن الخليفة عمر الذي كان كاد

يموت هما بأمر المسلمين؛ والذي حفر الخليج بعد عام الرمادة فساقه من النيل إلى

القلزم، فلم يأت الحول حتى جرت فيه السفن، فحمل فيه ما أراد من الطعام لأجل

المدينة ومكة وما بينهما، خليفة هذا شأنه، لم يكن ليترك بلدا فتحها ومدينة وقرية

تولى أمرها بلا مصحف يقرأ فيه أهلها.

(للكلام بقية)

((يتبع بمقال تال))

-----------------

<span class="footnote">

(1) الهينمة: ما كانوا يسمون كل قراءة هينمة بل القراءة الخفية والهينمة الصوت الخفي.</span></span>

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

منافع الأوربيين ومضارهم في الشرق

[*]

(1)

سأل سائل بترعة السويس هل كانت نافعة للمسلمين أو الشرقيين أم ضارة

بهم؟ فأجاب غير واحد بأنها كانت مثار المضار، وبركان الأخطار، لولاها لما

جاس الأوروبيون خلال هذه الديار، ولما تمكنت سلطتهم في كثير من الأقطار،

وأجاب واحد ممن حضر بأنها كانت نافعة أكثر مما كانت ضارة؛ إذ لولاها لكان

أهل الهند والأفغان كأهل مراكش في جهلهم وغفلتهم، وجفوتهم للمدنية وفنونها

التي وصلت إليها في هذا العصر، بل ولكانت مصر التي تزهو بعمرانها الآن خرابا

يؤدي ذكران البوم العشرات من قراها مهورا لإناثها؛ على الطريقة التي كانت

متبعة عند البوم في الزواج على عهد إسماعيل باشا. ناهيك باليابان وما صارت إليه،

وبالصين وما تشرف عليه.

يسهل على غير الخبير المحقق في طبيعة الاجتماع، العارف حقيقة حال الهند

والأفغان ومراكش ومصر، أن يماري في القول مراء ظاهرا أو غير ظاهر، وأن

يستفتي أمثاله: أليس الفرق عظيما بين الهند التي كانت زاهية على عهد السلطنة

التيمورية، بالمعارف والصنائع الوطنية، مستغنية بنفسها عن أوروبا وسائر العالم،

وبين مراكش التي كانت ولا تزال تغلب عليها البداوة، بجهالتها، وغباوتها،

وعصيانها لكل نظام؟ أليس كل ما ينسب إلى الأفغانيين من الفضل هو تجافيهم عن

المدنية الأوروبية، ومنع الأوربيين أن يساكنوهم في بلادهم أو يتجروا فيها آمنين؟

ولولا ذلك لضاع استقلالها وكانت ولاية من ولايات الهند. ألم تأخذ مصر بأسباب

المدنية الأوروبية من عهد محمد علي باشا وهي على استقلالها؟ ألم تدخل في أول

ولاية محمد توفيق باشا في طور جديد من إصلاح، خابت به آمال طلاب الزواج

من البوم بالقرى والمزارع التي آلت إلى الخراب؟ كل هذا يقال في الاستفتاء،

ويقال أكثر منه، ويكون نص الفتوى عن كل سؤال: بلى. وهي كلمة يكتفي بمثلها

مشايخ الإسلام في الآستانة إذ يجيبون بكلمة (أولور) في مقام الإيجاب، وبكلمة

(أولماز) في مقام السلب، وبعد ذلك يأتي الحكم على الأوروبيين كافة بأنهم ما

جاؤوا الشرق بخير ما ولا منفعة، بل جاؤوا بشرور ومضار أعظمها إزالة استقلاله،

وأي خير أو نفع يوزن بسلب الاستقلال، حتى تصح المقابلة بين منافع الأوروبيين

ومضارهم في الشرق؟

هذا هو الحكم الذي يرمي قاضيه عن قوس عقيدة الجماهير، والجماهير في

الشرق جاهلون بالسياسة راغبون عنها، ويقل في المشتغلين منهم بها والباحثين

عنها من يحيط بأطراف مسائلها، ويعرف المطالب ببراهينها ودلائلها، ولولا أن

هؤلاء العارفين قليلون فينا، لما كنا نشكو مرض الأمة الذي يعبرون عنه بلفظ

التأخر والانحطاط. وهؤلاء العارفون القليلون لا يرضون بهذا الحكم، وإنهم لأعلم

من غيرهم بقيمة الاستقلال الذي عبث به الأوروبيون، وبأنه لا يوزن به شيء.

ولكنهم يعطون كل شيء حقه ثم يوازنون بين الأشياء، لا يمنعهم من ذلك أن يكون

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ٧٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ٧٦