الأخبار والآراء
(علماء تونس ومصر وجامع الزيتونة والأزهر)
كان الأستاذ الإمام - رحمه الله تعالى- يقول: إن مسلمي تونس سبقونا (يعني
أهل الأزهر) إلى إصلاح التعليم، حتى كان ما يجرون عليه في جامع الزيتونة
خيرا مما عليه أهل الأزهر. ولما عاد من سفره الأخير إلى تونس، كتب مذكرات
عن حال التعليم فيها، وجاء ببعض الأوراق الرسمية في ذلك، وقال لي غير مرة:
إنني سأعطيك ما عندي في ذلك؛ لأجل أن تضم إليه رأيي وما تراه، وتنشره
بالمنار في مقال يكتب في المقابلة بين جامع الزيتونة والجامع الأزهر. وكنا نرى
أن هذا مما يجب في شرعة الإصلاح على التراخي؛ ولكن أجل المصلح لم يكن
على التراخي، بل عاجله الأجل قبل أن يفرغ من الأهم إلى هذا المهم.
* * *
(وزراء تونس من العلماء)
ذكرنا بهذا ما رأيناه في الجرائد التونسية الأخيرة من خبر وفاة الوزير الأكبر
وجعل وزير القلم والاستشارة خلفا له، وجعل رئيس محكمتي الاستئناف من قبل
خلفا لهذا. فالوزير المتوفى كان نابغا في العلوم العربية والدينية؛ إذ تلقاها في
جامع الزيتونة. حتى قيل: إنه يعد من طبقة أهل الترجيح في الفقه، وكذلك وزير
القلم الجديد وهو الشيخ يوسف جعيط فهو من أشهر المتخرجين في ذلك الجامع، وقد
درس فيه ثم اشتغل بالسياسة، وتقلب في المناصب حتى صار اليوم وزير القلم
والاستشارة، فهذان الوزيران قد دخلا باب السياسة، وهما شيخان زيتونيان بكل
معنى الكلمة كما يقول الغربيون، حتى ارتقيا إلى منصة الوزارة. فهل يخطر في
بال أحد من مدرسي الأزهر، أن يستعد لمثل ذلك حتى يكون أهلا للوزارة، أو لما
دونها من أعمال الحكومة؟ كلا إن أحدا منهم لا يفكر في مثل هذا الاستعداد، ولو
فعله أحد منهم لكان خيرا لهم، وأشد تثبيتا في العلم والدين، فإن لم يولوا من تلك
الأعمال شيئا؛ لأن نظام الحكومة المصرية لا يسمح بذلك، فربما كانوا أنفع لأمتهم
مع البعد عن الحكومة منهم، وهم لها عاملون.
ههنا يخطر في البال أن سعد باشا زغلول ناظر المعارف العمومية بمصر
كان أزهريا، وقد ارتقى في الحكومة إلى أعلى مرتبة في القضاء، ومنها إلى
الوزارة، ونرى الأزهريين يفاخرون به لا سيما بعد أن رأوا الأمة مبتهجة،
والجرائد متفقة على الثناء عليه عندما ولي الوزارة، والحكومة نفسها تكاد تمن
على الأمة باختياره، ولكن سعد باشا وزير المعارف بمصر، ليس عريقا في
الأزهرية كعراقة الشيخ يوسف حعيط وزير القلم والاستشارة بتونس بالزيتونية،
فإن الشيخ يوسف تعلم في الزيتونة على الطريقة المألوفة راضيا بها، حتى
صار مدرسا، وقرأ المطول فيه درسا وهو أعلى كتب البلاغة. والأزهريون
يقرؤون مختصره لأهل النهاية، ويمتحنونهم به.
وسعد زغلول صحب الأستاذ الإمام في أول المجاورة، وأدرك السيد
جمال الدين فأخذ عنهما، واعتقد في أول نشأته العلمية أن طريقة الأزهر في
التعليم رديئة، فتبع الحكيمين المصلحين، قبل أن تطبع الطريقة الأزهرية ملكتها
في نفسه، ولم يرض أن يجري عليها إلى منتهى شوطها، ويأخذ شهادة العالمية،
ويصير من المدرسين، بل أخرجه الأستاذ الإمام من الأزهر، عندما ولي هو رياسة
تحرير الجريدة الرسمية، وجعله محررا معه، ثم كان من أمره ما هو معروف. ومنه
أنه تعلم اللغة الفرنسية وهو قاض، ودرس علم الحقوق بها حتى أدى الامتحان في
فرنسا، وأخذ منها شهادة (الليسانس) ، وهو يعد مثل المطول والمختصر من
الكتب، التي تبعد عن البلاغة وتحول دون ملكتها. على أننا لا نقصد الآن إلى بيان
طريقة التعليم في الجامعين والمفاضلة بينهما. وإنما غرضنا من المقابلة والتنظير أمران:
(أحدهما) بيان أن العالم الديني إذا اختبر الأحوال العامة ونظر في طرق
نظام الحكومة التي تتولى أمره، وتناول شيئا من العلوم الدنيوية يكون أقدر على
خدمة بلاده وأمته، سواء تقلد الأحكام الدنيوية أم لم يتقلدها، وقد كان كثير من