تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الاحتفال بالعقد الأول من عمر المنار

أنشئ المنار في سنة 1315 وصدر العدد الأول منه في مساء اليوم الثاني

والعشرين من شهر شوال من تلك السنة، ثم زحزحنا أول سنته إلى غرة ذي القعدة

ثم إلى أول المحرم فصارت السنة الهجرية هي سنة المنار الحسابية منذ سنته الخامسة

أي سنة 1320.

وفي أوائل هذه السنة - وهي العاشرة - خطر لإسماعيل بك عاصم

الخطيب والمحامي الشهير أن يقيم في داره احتفالا ينوه فيه ببلوغ المنار هذه السن من

عمره، ولكن عرض له سفر قضى بإرجاء ذلك، وعاد إلى مصر قبيل شهر رمضان

وذاكرني في ذلك فأخبرته بتاريخ إنشاء المنار فسر بذلك وعزم على أن يجعل الدعوة

إلى الاحتفال في مثل اليوم الذي صدر فيه أول عدد منه وهو 22 شوال، فوزع

رقاع الدعوة على أصحاب المجلات الشهيرة في مصر ومحرريها ليجتمعوا مساء

ذلك اليوم في داره بالعباسية ويكون الاحتفال في ليلة 23 وهي أول ليلة ظهر في مثلها

المنار.

وكذلك كان للمنار في مصر محبون كثيرون من علية القوم، ومنهم من يقدر

على ما لا يقدر عليه إسماعيل بك عاصم من خدمة الإصلاح بالتنويه به والعون على

زيادة انتشاره، ولكن إسماعيل بك عاصم ابتكر هذا النوع من الإصلاح لا بسانحة

عرضت أو فكرة سنحت كما ظن بعض من لا يعرف كنه الرجل، بل أرشدته إلى

ذلك فطرته وهدته إليه ملكة راسخة فيه هي حب الاجتماعات العلمية والأدبية

ونشر الآراء والحكم النافعة. فكم سبق له من تأليف الجمعيات ومن مساعدة

المؤلفين لها بالمال والقال على قدر الحال كما أخبرني الثقة وشاهدت في

جمعية مكارم الأخلاق. ويدخل في هذا الباب مساعدته لفن التشخيص أو التمثيل

بتأليف القصص وإيداعها ما يراه مناسبا لأهل البلاد من انتقاد العادات الضارة

والترغيب في الآداب النافعة وبالعون على تمثيلها بالمال، فقد سمعت الشيخ

سلامة مدير دار التمثيل العربي وأشهر الممثلين يقول: إنه كان يؤلف الرواية

ويعطي (الجوق) ستين جنيها إعانة له على تمثيلها بمصر. على أن غيره لا يبيع

القصة بأقل من هذا الثمن.

ذكرت هذا قبل الكلام عن كيفية الاحتفال لبيان بعض مزايا المحتفل لمن لا

يعرفها من قراء المنار في الشرق والغرب وفي مصر أيضا؛ فإنني سمعت كثيرين

يقولون بلهجة الإعجاب والتعجب: كيف خطرت لفلان هذه الفكرة؟! يظنون أنها

سانحة عرضت، لم تأت عن ملكة رسخت.

إسماعيل بك عاصم يطالع المنار بدقة متتبعا سير الإصلاح فيه، وكثيرا ما

يذاكرني في مسائل منه يعجب بها فضل إعجاب، ومسائل ينتقدها أو يري فيها

غموضا أو إيهاما. فعلمه بخدمة المنار علم تفصيلي وله عنده منزلة خاصة عبر

عنها بهذا الاحتفال الذي يحب أن يجعله سنة دائمة، فجزاه الله عن عمله وعن نيته

خير الجزاء.

أجاب الدعوة إلى الاحتفال عشرون مدعوا تجمعهم رابطة العلم والأدب

اجتماعا لا يفرقه الاختلافات في الجنس فإن منهم العربي (وهم الأكثر بالطبع)

والفارسي كالدكتور محمد مهدي خان صاحب مجلة (حكمت) والتركي كالدكتور

جودت بك صاحب مجلة (اجتهاد) ولا الاختلاف في الوطن فإن منهم المصري

والسوري وغير ذلك ولا الاختلاف في الدين فإن منهم المسلم والنصراني القبطي

وغير القبطي واليهودي وهو فرج أفندي مراد المحامي محرر مجلة التهذيب الدينية

الأدبية لطائفة القرابين.

تم اجتماع القوم بعد العشاء الآخرة في الساعة السابعة مساء، وكانوا قد أقبلوا

فرادى ومثنى وثبات. وطفقوا يتسامرون بألطف الكلام والبشر يتدفق من وجوههم

سرورا بهذا الاحتفال الذي ألف بين الآلاف والأشكال، وصاحب الدعوة كان يقابل

كل واحد بالحفاوة والبشر حتى كأن سروره به يرجح بسرور مجموعهم. وفي أثناء

الساعة الثامنة دعوا إلى حجرة المائدة فانتظموا حولها كعقد اللؤلؤ المنظوم، أو

كمنطقة مؤلفة من النجوم، ولا بدع فهم نجوم الهداية إلى الآداب والعلوم، وقد

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ٣٠٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ٣٠٥