تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

خلاف الأمة في العبادات ومذهب أهل السنة والجماعة

لشيخ الإسلام وعلم الأعلام الإمام: تقي الدين أحمد بن تيمية

رضي الله عنه

مقدمة لصاحب المنار

شرع الله - تعالى - لعباده على ألسنة جميع رسله أن يقيموا الدين، ولا

يتفرقوا فيه. ولكنهم كانوا يتفرقون في كل أمة، فيزول ما أريد بالدين من معنى

الاجتماع والائتلاف، حتى إذا ما شرع الله لهم الدين العام الذي هو خاتمة الأديان،

شدد فيه التنفير من التنازع والتفرق والاختلاف. وأكد الأمر بالاعتصام والاتحاد

والائتلاف. وقال لخاتم النبيين {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم

في شيء} (الأنعام: 159) ، ومع ذلك لم تسلم هذه الأمة من اتباع سنن من

قبلها، والاختلاف كما اختلفوا أو أشد.

ولما وقع الخلاف وكثرت المذاهب، وصار لكل فريق أنصار يخالفون

الآخرين، ويطعنون عليهم، امتاز أهل الحق المعتصمون بحبل الله بالدعوة إلى

الاجتماع والألفة، والتباعد عن التنازع والفرقة، وجعلوا المرجع في ذلك إلى كتاب

الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -؛ عملا بقوله -عز وجل- {فإن تنازعتم

في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير

وأحسن تأويلا} (النساء: 59) فكتاب الله ثابت لا نزاع فيه، وسنة رسوله

معلومة لا خلاف فيها، فما جرى عليه، وتبعه فيه أصحابه على طريقة واحدة بلا

خلاف بينهم يمتنع فيه الخلاف من المؤمنين، وما اختلف فيه العمل، كان المؤمنون

مخيرين فيه لا ينازع أحد منهم أخاه إن أخذ بغير ما أخذ هو به وكل جائز.

وقد سمي هؤلاء بأهل السنة والجماعة؛ لأنهم يحكمون السنة العملية

المتبعة فيما هو حتم، وفيما هو مخير فيه، ويختارون الاجتماع والاتفاق على

الخلاف والافتراق، ولذلك كان من مزاياهم التباعد عن تكفير أهل القبلة وتضليلهم؛

لأجل الخلاف، والعمدة عندهم في صحة الإيمان وولاء أخوة الإسلام هو الأخذ

المجمع عليه في العصر الأول المعلوم من الدين بالضرورة، ويعذرون من أخطأ

فيما عدا ذلك.

ثم إن علماء أهل السنة، قد كانوا ينظرون في وجوه الترجيح بين ما اختلف

فيه على أهل العصر الأول أو الرواية عنهم، فيأخذ كل واحد ما يراه أرجح، مع

كونه يعذر من يأخذ بغير ما اختاره هو؛ لا سيما إذا كان رأيا لا رواية، ثم حدث

في الأمة التقليد، وصار كل فريق يتعصب لعالم من أئمة علماء الأمصار من بعدهم

فعاد لذلك التفرق والاختلاف الممقوتان عند الله؛ إلى المنتسبين إلى أهل السنة

والجماعة، ووجد بذلك أهل البدع ما وجدوا من المطاعن عليهم، وعلى مذهبهم،

بل كان ذلك مما طعن به في أصل الدين.

سبق لنا قول في هذا الخلاف ومضاره، ورأي في تلافيه واتقاء أخطاره،

أودعناها مقالات محاورات المصلح والمقلد، التي جمعت من المنار وطبعت في

كتاب مستقل، وأيدناه بما كتبه حجة الإسلام أبو حامد الغزالي في كتابه القسطاس

المستقيم من الدعوة إلى إزالة الخلاف؛ بالأخذ بالمجمع عليه، والتخير في المختلف

فيه، وقليل من الناس من يترك كل ما أجمع على تحريمه، ويؤدي كل ما

أجمع على وجوبه، ويفعل ما سهل عليه مما أجمع على ندبه واستحبابه. ولكن

المرزوئين بالتعصب للمذاهب، يسهل عليهم قطع أخوة الإيمان؛ بسبب خلاف في

رواية أو رأي مما لم يجمع عليه المسلمون، وهم مع ذلك يتركون بعض الفرائض،

ويرتكبون بعض المحرمات، ويحسبون ذلك أهون من الخلاف في الدين.

وقد قرأنا في هذه الأيام رسالة لشيخ الإسلام: أحمد بن تيمية في مسألة

الخلاف في العبادات، وحقيقة السنة والجماعة، فآثرنا نشرها؛ رجاء أن ينفع الله

بها المسلمين ﴿وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين﴾ (الذاريات: 55) قال - رحمه

الله تعالى وأثابه -:

(قاعدة)

في صفات العبادات الظاهرة التي حصل فيها تنازع بين الأمة في الرواية

والرأي مثل: الأذان، والجهر بالبسملة والقنوت في الفجر والتسليم في الصلاة،

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ١٠٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ١٠٨