تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

آراء الناس في مكاتبتنا مع لورد كرومر

من الناس من يكتب ليرضي الناس، فهو يتحرى رضاهم بالحق وبالباطل، فلا

الحق مقصود له في ذاته، ولا الباطل مطلوب له لذاته، وإنما يكتب لهوى خاص

هو كل ما يقصد. ومنهم من يتحرى الحق رضي الناس أم لم يرضوا، وافق أهواءهم

أم لم يوافقها، ولا يتبع الناس الهوى في شيء، كما يتبعونه في الكلام عن الحكام

والرؤساء ورجال السياسة، وإننا نرى أهل الأهواء قد يعدون الشيء الواحد

إذا صدر عن زيد نافعا، وإذا صدر عن عمرو ضارا، ويقول فلان قوله فيعدونه

إيمانا وإصلاحا، ويقوله آخر فيعدونه كفرا وإفسادا.

منذ سنتين وأشهر نشرت عدة مقالات في بعض جرائد القاهرة في ذم الفلسفة،

والتعريض بمن زعموا أنه يريد إدخالها في علوم الأزهر (يعنون الأستاذ الإمام

رحمه الله) ، وقالوا: إن الأزهر مدرسة دينية محضة، لا يجوز تعليم شيء فيها

غير الدين. وفي هذا العام أمر شيخ الجامع الأزهر بعض المشايخ بقراءة فلسفة

اليونان فيه، فطفق بعضهم يقرأ الإشارات لابن سينا، وبعضهم يقرأ كتبا أخرى في

ذلك، ولم يكتب أحد، بل لم يقل أحد شيئا، فلماذا كان توهم إدخال الفلسفة في

الأزهر منكرا دافعا إلى ذلك الانتقاد الشديد، وصار تعليم الفلسفة بالفعل الآن معروفا

لا ينتقده أحد؟

وقد نشرت إحدى جرائد المسلمين منذ سنتين مقالا لأحد الأمراء، عبث

فيه ببعض أصول الدين وعقائده، وكتبت جريدة أخرى لهم أن الحكم بقتل القاتل

من بقايا الهمجية، بل استبدل الحكام القوانين بالشريعة، ولم يقل المسلمون شيئا،

ولا حركوا ساكنا، بل ظلوا يعدون هؤلاء الحكام من رؤساء الدول. وقد قال اللورد

كرومر في تقريره الأخير عن حال مصر والسودان كلمة في الشريعة، قام لها

الناس وقعدوا لا لذاتها، بل لأنها من اللورد كرومر. وقد أطال الرد والطعن كثير

من الكتاب على كلمة الرد من حيث هي كلمته، وتكلم بعضهم فيها لذاتها. ومما

كتب في الرد على اللورد مقالة في الرق، نشرت في اللواء معزوة إلى حكيم من

حكماء الإسلام.

ولكنه لا يعرف البديهي من قواعد الإسلام؛ إذ زعم أن الزكاة المفروضة فيه

تصرف بحكم القرآن إلى الحكام، وإلى سفراء الدول وقناصلهم، وفي بناء الفنادق

للسياح. ولو كتب مثل هذا الكلام في المقطم، لقامت عليه وعلى كاتبها قيامة اللواء

وغير اللواء، وعدوا ذلك أعظم جناية على الإسلام.

هكذا ينظر أكثر الناس إلى من قال، لا إلى ما قال، ولا يعرفون الرجال بالحق

بل يعرفون الحق بالرجال، كلا إن اتباعهم الهوى في الرجال، يصرفهم عن

معرفة الحق وعن طلبه، فلا يقبلونه ممن لم يوافق أهواءهم. ولكنهم يقبلون الباطل

ممن فتنوا بهم، وصاروا موضع ثقتهم، وهذا من أكبر البلاء على الناس؛ إذ لا

ترتقي أمة منهم إلا إذا كثر المستقلون فيها بالحكم على الناس وعلى الأقوال، الذين

يطلبون الحق لذاته، ويجعلونه هو الميزان لمعرفة الناس ومعرفة الأشياء.

قال لورد كرومر قوله في الشريعة الإسلامية، فقامت له جرائد المسلمين

وقعدت، وأعولت وولولت، وذمت وقدحت، وأرنأت واقترحت، ثم صدر المنار

فكان خيرا منها دفاعا، وأشد للمخالف إقناعا، وزاد على ذلك أن وفق إلى أخذ

كتاب من اللورد نفسه، يبرئ فيه الدين الإسلامي نفسه من النقد والطعن، ويستدل

على ذلك، ويصرح بأن عبارة التقرير - التي فهم منها الطعن في الدين نفسه - لم

تؤد مراده الذي بينه ووضحه بما كتبه إلينا. فماذا قال الناس في ذلك؟

اختلفوا فيه كما هي عادتهم، فاستحسنه فريق كل الاستحسان، وشكر لنا

سعينا، وللورد فضله وإنصافه، وبالغ بعض أفراد هذا الفريق في الإعجاب بذلك،

حتى قال لنا أحد المحامين وهو ممن لا يختلف اثنان في كمال استقلاله، وجودة رأيه،

وسعة علمه: أخبرني هل سحرت اللورد بكتابك إليه وهو لا يعرفك، أم استعنت عليه

بوسائط أخرى، حتى نجحت في أخذ هذا الجواب الذي لا يتصور أن يخدم الإسلام

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ١٣٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ١٣٣