أثارة من التاريخ
قطعة من مكتوب شهاب الدين بن مري تلميذ ابن تيمية يعزي إخوانه تلاميذ
شيخ الإسلام عنه، ويحثهم على جمع مصنفاته.
أيها الإخوان:
لا تنسوا تقريرات شيخنا الحاذق الناقد الصادق - قدس الله روحه - لمعاني قوله
تبارك وتعالى في بيان الحكم الأربع التي أودعها الله سبحانه في ضمن انكسار
عسكر الرسول في يوم أحد، وهي قوله تعالى: {وليمحص الله الذين آمنوا
ويمحق الكافرين * أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم
الصابرين} (آل عمران: 141-142) ، فلا تهملوا أمر الفكرة الصالحة في هذه
المعاني الشريفة وغيرها، ولا تجزعوا لما حصل فإن الله حي لا يموت، وهو
المتكفل سبحانه بنصر الدين وأهله، والمختبر لعباده فيما يبتليهم به، والخبير
بجملة مصالحهم والرؤوف بهم، والهادي لمن يشاء إلى صراط مستقيم، ولا يهلك
على الله إلا هالك، والسعيد من قام بما عليه إلى وفاته، ومن أراد عظيم الأجر
التام ونصيحة الأنام ونشر علم هذا الإمام الذي اختطفه من بيننا محتوم الحمام،
ويخشى دروس كثير من علومه المتفرقة الفائقة مع تكرر مرور الليالي والأيام
- فالطريق في حقه هو الاجتهاد العظيم على كتابة مؤلفاته الصغار والكبار، على
جليتها من غير تصرف فيها ولا اختصار، ولو وجد كثيرا من التكرار، ومقابلتها،
وتكثير النسخ بها وإشاعتها، وجمع النظائر والأشباه في مكان واحد، واغتنام حياة
من بقي من أكابر الإخوان، فكأننا جميعا بكمال الفوت وقد حان، ويكفينا ما عندنا
على ما فرطنا من عظيم الأسف، فلوجه الله معشر الإخوان لا تعاملوا الوقت
الحاضر بما عاملتم به الوقت الذي قد سلف، فإن حياته (رحمه الله ورضي عنه)
كانت مأمولة لاستدراك الفارطات الفائتات، وتكميل الغايات والنهايات، فاغتنموا
تحصيل كل مهمة في وقتها بلا كسل ولا ملل، ولا تشاغل ولا بخل؛ لأن هذا المهم
الكبير أحق شيء يبذل في تحصيله المال الكثير، وقد علمتم مضرة التعليل
والتسويف، وذلك من أكبر القواطع عن مصالح الدنيا والآخرة، فاحتفظوا بالشيخ
أبي عبد الله [1] أيده الله، وبما عنده من الذخائر والنفائس، وأقيموه لهذا المهم
الجليل، بأكثر ما تقدرون عليه ولو تألمتم أحيانا من مطالبته؛ لأنه قد بقي في فنه
فريدا، ولا يقوم مقامه غيره من سائر الجماعة على الإطلاق. وكل أحوال الوجود
لابد فيها من العوارض والإنكار، فاحتسبوا مساعدته عند الله -تعالى - وأنهضوا
بمجموع كلفته، فإن الشدائد تزول والخيرات تغتنم، فاكتبوا ما عنده وليكتب ما
عندكم، وأنا أستودع الله دينه وما عنده، وأوصيه بالصبر أيضا، وبمعاملة الله
سبحانه فيما هو فيه وإن قصر الإخوان في حقه، وليطلب نصيبه من الله تعالى متكلا
عليه في رزقه المضمون، ومجملا في الطلب؛ لأن ما قسم لابد أن يكون، وإنما
أحث هممكم الصالحة عليه تحصيل كراريس الرد على عقائد الفلاسفة؛ لأنه
ليس في الوجود لهذا المؤلف نسخة كاملة غير النسخة التي بخطي، وكانت في
الخرستان الشمالي من مدرسة شيخنا، وأخبرني الشيخ شرف الدين - رحمه الله
تعالى - أنه أودع المجموع في مكان حريز، ولقد شح علي بإنفاذ هذه الكراريس
وقت الذهاب من الشام، ولا قوة إلا بالله، والكراس الرابع منها أخذه أبو عبد الله من
يدي وهو عنده، ونسخة الأصل التي بخط الشيخ هي في القطع في الكبير، وكانت
هناك أيضا، وقد بقي من آخر نسختي أقل من ورقة فأوصلوا ذلك إلى أبي عبد الله؛
ليكمل النسخة إلى عند قوله (فهذا باب وذاك باب والله أعلم بالصواب) وللطولسي
نسخة بخط كيس وكملوها؛ لأنه مؤلف لا نظير له ولا يكسر الفلاسفة مثله، ومن الله
نسأل المعونة على جمع شمل هذه المصالح الجليلة بعد شتاتها، ونعوذ به من
عوارض القواطع وآفاتها؛ لأن الفوت صعب وغائلة التفريط ردية، وانتهاز الفرص