تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أمم إلى هذا الأمر العظيم، وإن كان صريحا جليا في القرآن الحكيم، نعم إن

أستاذينا الحكيمين - رحمهما الله تعالى - أهل لأن يفهما ذلك من القرآن؛ لأنهما أول

من دعا في هذا العصر إلى جعله أساسا للإصلاح، وبينا من حكمه وفضله، ما

عجزت الأوائل عن الإتيان بمثله. ولكن كلامنا في تنبه الشعوب الشرقية على

اختلاف مللها ونحلها، لا تنبه فيلسوفين من أهل ملة منها، على أن هذين الحكيمين

قد استفادا من الاعتبار بحال أوربا، وعرفا حال أهلها قبل دعوتهما إلى هذا

الإصلاح.

لا ينبه الأمة إلى مثل هذا التغيير العظيم إلا الإحساس بالخطر، والخوف من

سوء العاقبة، ورؤية العبر بأعينها، وسماع أخبار الذين صرعوا الاستبداد من قبلها

ولذلك نقول: إننا ما عرفنا قيمة هذه الفائدة إلا بعد أن أحسسنا بالغائلة التي تقابلها

وهي مواثبة استقلالنا، والاعتداء عليه، وهي ما سنبينه في قسم المضار، إن شاء

الله تعالى.

((يتبع بمقال تال))

-----------------

<span class="footnote">

</span></span>

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

أسئلة من بعض أهل العلم بتونس

التوحيد وتوفي ملك الموت للناس

(س14) أعظم أساس أقيم عليه هيكل الإسلام توحيد الله - تبارك

وتعالى - واعتقاد أنه وحده المتصرف في الكون، وكيف تجامع هذه العقيدة

الاعتقاد بملك الموت الذي جاء به قوله تعالى: {قل يتوفاكم ملك الموت الذي

وكل بكم} (السجدة: 11) ، فما الحكمة في تفويض أمر توفي الأنفس لهذا الملك؟

(ج) إن تفويض التوفي إلى بعض الملائكة، كتفويض تبليغ الوحي للأنبياء

إلى بعضهم، وكتفويض تبليغ الرسالة للناس إلى المرسلين، وكتفويض غير ذلك

من الأعمال إلى المخلوقين، كل ذلك لا ينافي التوحيد وكون الله - سبحانه وتعالى -

هو المتصرف في الكون؛ لأنه عز وجل هو الذي أقدرهم، وهو الذي سخرهم،

ولو سلبهم ما أعطاهم لما قدروا على شيء.

ولكن قضت حكمته أن يربط أمور الكون بعضها ببعض، فيجعل هذا سببا

لذاك، وهو واضع الأسباب والمسببات، ومدبر العلل والمعلولات، وقد بين لنا في

كتابه كلتا الحقيقتين: حقيقة ربط الأسباب بالمسببات، وحقيقة انفراده بالخلق

والتدبير. ومنه ذلك الربط والتسخير. فكما قال: {قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل

بكم} (السجدة: 11) ، وقال: ﴿الله يتوفى الأنفس حين موتها﴾ (الزمر: 42) ،

وقال: ﴿الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل﴾ (الزمر: 62) ، ولكل

مقام مقال، ولا تنافي بين الحقيقتين عند العقلاء، حتى من أهل الوثنية الراقية

كمشركي العرب وقت البعثة، وإنما كان شرك هؤلاء خاصا بالعبادة، وهو التوجه

بالقلب إلى غير الله في قضاء الحاجات عند العجز عن الوصول إليها من طريق

الأسباب، أو التقرب إلى الله، وما يتبع ذلك من دعاء المتوجه إليه، وجعله وسيلة

إلى الله، كما بين لنا ذلك الكتاب العزيز في آيات تنطق بأنهم كانوا يعتقدون أن الله

خالق كل شيء، وأن ما يدعون من دونه إنما يدعى؛ ليشفع لهم عنده، ويقربهم إليه

زلفى، وهذا هو الشرك في الألوهية، وقد شرحناه مرارا كثيرة في بابي: التفسير

والفتاوى وغيرهما من أبواب المنار وترى منه شيئا في التفسير من هذا الجزء. وهذا

النوع من الشرك هو الذي ابتلي به أكثر الخلق بما يقيسون في هذا الأصل الذي يجب

أن يكون مبنيا على البرهان القطعي، لا على القياس الظني أو الوهمي، وناهيك

بقياس الرب الرحيم العليم الحكيم على الملوك القساة الجهلاء السفهاء، إذ يقولون: إن

الملك يقضي حاجات الناس بواسطة المقربين إليه من حاشيته، أو وزرائه، أو يكل

إليهم ذلك، ولا يسمح لكل أحد أن يطلب حاجته منه مباشرة، فكذلك يفعل الله -

سبحانه وتعالى عما يصفون -، فقد أبطل هذا القياس على ألسنة جميع رسله، وهدى

الناس إلى أن يلتمسوا منه حاجاتهم بالسيرعلى سنته في الأسباب والمسببات حتى إذا

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ١١٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ١١٩