وخالقه القادر العليم؟ فالبصير يرى في هذا الحيوان الصغير من عظمة
الخالق المدبر وجلاله وكمال قدرته وحكمته ما تتحير فيه الألباب والعقول
فضلا عن سائر الحيوانات. وهذا الباب أيضا لا حصر له فإن الحيوانات
وأشكالها وأخلاقها وطباعها غير محصورة، وإنما سقط تعجب القلوب منه
لأنسها بكثرة المشاهدة. نعم إذا رأى (الإنسان) حيوانا غريبا ولو دودا تجدد
عجبه وقال: سبحان الله ما أعجبه! والإنسان أعجب الحيوانات وليس يتعجب
من نفسه) . اه
فعلم من كل ما تقدم أن رأي الغزالي في العلوم الدنيوية بطريق التفصيل
هو أن كل علم يحتاج إليه الناس في معايشهم ومصالحهم فهو من فروض
الكفاية، وما زاد عن الحاجة من مباحثه الكمالية يعد فضيلة لا فريضة كما
صرح به في الكلام على علم الحساب من الإحياء وما لا يحتاج إليه منها إلا
لنحو تسلية فهو مباح ما لم يكن فيه ضرر أو مفسدة دينية أو دنيوية. وأن ما كان
ضارا منها فهو محرم كالسحر والتلبيس والدجل. وأن العلوم الرياضية لا ضرر
في شيء منها، وأن العلوم الطبيعية إذا قرنت بالعبرة وتنبيه الذهن إلى ما فيها
من الحكم الدالة على علم الخالق وحكمته ورحمته، تكون من علوم الدين التي
حث عليها القرآن، وإذا اتبعت فيها الطريقة النظرية اليونانية تكون قليلة الجدوى
كثيرة الأغلاط؛ ولكن الغلط فيها لا يصادم عقيدة الإسلام، ولا يقتضي خروج
صاحبه من الدين. وإن في الفلسفة الإلهية ثلاث مسائل تعد من الكفر الصريح.
وقد ذكرناها آنفا. وإن علم المنطق من مقدمات علم الكلام، وأما علم الكلام فهو
ضار بالعوام، ويجب أن لا يوجه إلا لمن عرضت لهم الشبه في عقائدهم أو
لمجادلة من يوجهون الشبه إلي المسلمين لتشكيكهم في دينهم كما سيأتي. وهو
عنده، وعند علماء الصوفية العارفين غير علم التوحيد، ولذلك جعل للتوحيد
والتوكل كتابا في الإحياء غير كتاب قواعد العقائد. على أن ما كتبه في قواعد
العقائد ليس فيه من جدل المتكلمين إلا قليل بقدر الضرورة، وقد علمت أن
المتكلمين مزجوا بين جميع العلوم الطبيعية والفلسفة اليونانية وبين العقائد
الإسلامية وسموا ذلك كله علم الكلام، ولذلك قيل إن موضوع علم الكلام هو
الوجود، والغزالي لا يعده من علوم الدين.
بل من رأيه أن علم الأحكام الذي يسمونه الفقه من علوم الدنيا لا من علوم الدين
وأن طلاب الآخرة يكتفون من هذا العلم بقدر ما يحتاج إليه في القضاء والإفتاء،
ولا يشتغلون باستنباط ما لا تدعو الحاجة إليه؛ بل يصرفون سائر الوقت
في علم الدين والعمل الذي يقرب العبد من ربه عز وجل كما نفصل ذلك في الفصل
الآتي.
* * *
رأيه في العلوم الشرعية
قسم العلوم في الباب الثاني من كتاب العلم من الإحياء إلى محمودة ومذمومة.
والمحمودة إلى شرعية وغير شرعية. وقد تقدم بيان رأيه في العلوم غير الشرعية
وأن منها ما هو فريضة وما هو فضيلة وما هو مباح. وقال: (وأما المذموم منه
فعلم السحر والطلسمات وعلم الشعوذة والتلبيسات) ثم تكلم بعد ذلك في العلوم
الشرعية، وقبل أن نذكر تفصيل رأيه فيها نذكر رأيه في العلم الذي هو فرض
عين.
العلم الذي هو فرض عين:
وذكر في أول الباب الثاني اختلاف العلماء في العلم الذي هو فرض عين على
كل مكلف، وزعم كل من غلب عليه علم من التفسير والحديث والكلام والفقه
والتصوف أن علمه هو فرض العين. وجزم هو بأن فرض العين هو العلم
بمعنى كلمتي الشهادة وما يتبعه من العقائد السمعية من غير شك ولا اضطراب،
والعلم بالطهارة وأحكام الصلاة عند دخول وقتها، وبأحكام الزكاة عند وجوبها
على المكلف، وكذلك الحج، وبأحكام الصوم عند مجيء رمضان، وكذلك
حكم كل ما يكون بصدد العمل به، فإذا تصدى للتجارة وجب عليه معرفة ما
يحترس به من الوقوع في الحرام بقدر الحاجة، حتى إنه قيد وجوب تعلم الحذر
من الربا بشيوعه في البلد. وكذلك تحريم أكل الخنزير ونحوه، وهو يقول في