تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الكتاب الذي سميناه معيار العلم الذي هو الملقب بالمنطق عندهم. اه كلام أبي حامد

الغزالي في فاتحة كتابه (تهافت الفلاسفة) وذكر بعد ذلك فهرس المسائل التي

أظهر تناقض مذهب الفلاسفة فيها وهي عشرون مسألة ثم قال ما نصه:

(فهذا ما أردنا أن نذكر تناقضهم فيه من جملة علومهم الإلهية، وأما

الرياضيات فلا معنى لإنكارها ولا للمخالفة فيها، فإنها ترجع إلى الحساب

والهندسة، وأما المنطقيات فهي نظر في آلة الفكر في المعقولات، ولا يتفق فيه

خلاف به مبالاة) وقد علم مما نقلناه عن كتابه (المنقذ من الضلال) أن المسائل

العشرين من الفلسفة الإلهية التي بين في هذا الكتاب تناقضهم فيها ليست إلا

أغلاطا وابتداعات إلا ثلاث مسائل عدها من الكفر وهي:

(1) إنكارهم البعث الجسماني زاعمين أن الثواب والعقاب في

الآخرة يكونان على الأرواح المجردة.

(2) زعمهم أن العالم قديم أزلي.

(3) زعمهم أن الله تعالى يعلم الكليات دون الجزئيات (راجع ص

699) وأما الرياضيات والمنطقيات فليس فيها شيء يسمى بدعة ولا كفرا؛

بل هي علوم حقيقة نافعة، وكذلك الطبيعيات وإن كثرت فيها إلى عهده النظريات.

ولعمري إنه لولا تساهله وتسامحه لاستخرج أكثر من هذا من أغلاطهم

المبنية على نظرياتهم الفاسدة، وما حمله على تلك الحملة عليهم إلا ما رآه من

كسر كثير من المغرورين بعلومهم لقيود التقوى وتبجحهم بضروب الفخر

وزخرف الدعوى حتى كادت تعم بفتنتهم البلوى، ولم يكن لها في عصره فائدة

دنيوية تذكر.

وقد كان - رحمه الله - فليسوفا علميا لا نظريا فقط، ألم تر كيف جعل

المسائل الطبيعية من لباب الدين بما نفخ فيها من روحه في كتاب التفكر من

الإحياء؛ إذ يبحث فيه عن أعضاء الإنسان ووظائفها وحكمها، ومما تتألف منه

على طريقة الأطباء حتى إنه يذكر عدد عظام العضو. كذلك يبحث في الأرض

والهواء والبحار والحيوان والنبات بحثا يدل على أنه كان واقفا على علوم

التاريخ الطبيعي، كما انتهى إليه علم الفلاسفة في عصره إلى ما له هو من الرأي

المبتكر فيه، ومنه أن الماء ليس عنصرا بسيطا كما كانوا يقولون؛ بل هو مركب،

وقد حقق رأيه المتأخرون.

ومما بينه من طبائع الحيوان قوله في الكلام على أصناف الحيوانات من

كتاب التفكر (لو أردنا أن نذكر عجائب البقة أو النملة أو النحلة أو العنكبوت

وهي من صغار الحيوانات في بنائها بيتها وفي جمعها غذاءها وفي إلفها

لزوجها، وفي ادخارها لقوتها وفي حذقها في هندسة بيتها وفي هدايتها إلى

حاجتها - لم نقدر على ذلك، فترى العنكبوت يبني بيته على طرف نهر فيطلب

أولا موضعين متقاربين بينهما فرجة بمقدار ذراع فما دونه حتى يمكنه أن

يصل بالخيط بين طرفيه ثم يلقي اللعاب الذي هو خيطه على جانب ليلصق به

ثم يغدو إلى الجانب الآخر فيحكم الطرف الآخر من الخيط ثم كذلك يتردد ثانيا

وثالثا، ويجعل بعد ما بينهما متناسبا تناسبا هندسيا حتى إذا أحكم معاقد القمط

ورتب الخيوط كالسدى اشتعل باللحمة فيضع اللحمة على السدى ويراعي في

جميع ذلك تناسب الهندسة ويجعل ذلك شبكة يقع فيها البق والذباب، ويقعد في

زاوية مترصدا لوقوع الصيد في الشبكة، فإذا وقع الصيد بادر إلى أخذه وأكله.

فإن عجز عن الصيد كذلك طلب لنفسه زاوية من حائط ووصل بين طرفي

الزاوية بخيط ثم علق نفسه فيها بخيط آخر وبقي منكسا في الهواء ينتظر ذبابة

تطير فإذا طارت رمى بنفسه إليه [3] فأخذه ولف خيطه على رجليه وأحكمه ثم

أكله.

وما من حيوان صغير ولا كبير إلا وفيه من العجائب ما لا يحصى. أفترى

أنه تعلم هذه الصنعة من نفسه أو كونه آدمي أو علمه؟ أو لا هادي له ولا

معلم؟ أفيشك ذو بصيرة في أنه مسكين ضعيف عاجز؟ بل الفيل - العظيم

شخصه الظاهرة قوته - عاجز عن أمر نفسه فكيف هذا الحيوان الضعيف؟ أفلا

يشهد هو بشكله وصورته وحركته وهدايته وعجائب صنعته لفاطره الحكيم

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ٤٠٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ٤٠٤