تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

العربي، حتى يكون الفهم والإفهام، اللهم إلا ما دعت إليه ضرورة العربي في

النطق.

جاء القرآن الكريم وهو البالغ من الفصاحة مبلغ الإعجاز، ووصفه الله

سبحانه بأنه لسان عربي مبين، فاستعمل كثيرا من الألفاظ التي عربتها العرب،

وهذا إقرار من الله سبحانه على طريقة التعريب.

استعمل القسطاس والإستبرق والفردوس والمسك والكافور والزنجبيل

والسندس والإبريق والمشكاة واليم والطور وما شاكلها، وقد ألف فيما عرب

واستعمله القرآن من الألفاظ أستاذنا الحافظ اللغوي الشيخ حمزة فتح الله كتابا جمع

فيه من ذلك كثيرا. وقد نقل عن ابن عباس ترجمان القرآن وكثير من التابعين

وأهل العلم والفقهاء أن هذه الألفاظ من لغات العجم سقطت إلى العرب، فأعربتها

بألسنتها وحولتها عن ألفاظ العجم إلى ألفاظها، فصارت عربية. ثم نزل القرآن وقد

اختلطت هذه الكلمات بكلمات العرب، وهذا الذي جعل لبعض أهل العربية أن يقول:

إن القرآن خلو من كلام غير العرب لأن ما رضيته العرب من الكلمات بعد

تعريبه صار عربيا مبينا، وألحق بأحرف اللغة فلا حرج في استعماله بعد.

ومما أزيدكم به بيانا أيها السادة أن بعض الألفاظ التي عربها العرب موضوعة

لأشياء تشابه ما له اسم عربي، ولكنهم اختاروا الاسم الأعجمي لدلالته على شكل

خاص للمسمى، كما أخذوا كلمة إبريق وعندهم التامور، وأخذوا كلمة البط وعندهم

الأوز للصغار والكبار، وأخذوا الهاون وعندهم المهراس والمنحاز، وأخذوا

الطاجن وعندهم المقلى والميزاب، وعندهم المثعب وهو مسير الماء في الوادي،

والسكرجة، وعندهم الثقوة والمسك، وعندهم المشموم والجاسوس، وعندهم

الناطس، والأترج وعندهم المسك.

وذلك لأسباب قوية منها أن اللفظ الذي عندهم عام واللفظ الجديد خاص،

فتكون دلالة ما عندهم على المسمى ضعيفة.

هذا هديهم قبل الإسلام - أما بعد الإسلام فإن العرب حينما جدوا في العلوم

وأرادوا أن تكون اللغة العربية لغة علم كما هي لغة قوم ولغة دين، ترجموا إليها

كتب العلم التي وصلت إليهم من أمم الروم والفرس، واتبعوا تلك الطريقة نفسها

فكانوا يأخذون الأجناس كما هي، ويستعملونها في كتبهم وينطقون بها كأنها من

لغتهم، ووجد من هذا شيء كثير خصوصا في الطب والحكمة والهندسة، ولم

يلتفتوا إلى الرأي الذي يقول بالرجوع إلى الوراء واستعمال الألفاظ التي أماتها

الزمن لعدم صلاحيتها للاستعمال أو المستعملة في معان أخرى.

والفقهاء أنفسهم لم يحجموا عن أخذ الألفاظ من غير اللغة العربية وتعريبها.

يلزم من اتباع رأي التجوز مضار أهمها أن اللغة وضعت لتدل على ما في

النفس، حتى يفهم السامع تمام ما تريد، واشتراك الألفاظ في المعاني مما يخل بأصل

المقصود والتجوز لا بد فيه من إقامة القرائن على إرادة ما استعمل اللفظ فيه، وهذا

وذاك كثيرا ما أوقفنا حيارى في فهم المراد من بعض الألفاظ، فهل نريد بعد ذلك

أن نضيف إلى آلامنا آلاما.

يقولون: إن الحق في التعريب إنما كان لأمة سلفت وبادت، فلم يبق لها من

أثر وإن ما كان يباح للأعراب في بواديهم على قلة حاجهم لا يباح مثله لنا في

القرون المتأخرة على كثرة الحاج، وهذا كله بنوه على قاعدة لا أساس لها وهي

تشبيه اللغة بالدين في التمام، فكما أن الله سبحانه أتم دينه الذي أنزله على رسوله

صلى الله عليه وسلم فكذلك العرب قد أتمت وضع لغتها، ولم يبق من بعدهم من

يحق له أن يضيف إليها كلمة جديدة كما أنه ليس لمسلم أن يضيف على دينه حكما

جديدا.

لكن الفرق بين الأمرين ظاهر؛ فإن الدين وضع إلهي شرعه من له حق

التشريع والإلزام وهو الله سبحانه، وأتم وضعه على قواعد راسخة وأسس ثابتة،

فلم يبق لأحد مجال أن يزيد على هذه القواعد أو ينقص منها. أما اللغة فالمقصد

منها الإبانة والإفصاح وهي من وضع الأفراد تتجدد بتجدد الحاجات.

وليس من قصدي أن أبحث الآن في أمور اللغات أهي توفيقية أم وضعية،

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ٣٧١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ٣٧١