تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

انقطعوا عن الأمم أو كادوا.

فأما الحاضرون منهم، وهم سكان ريف العراق ومشارف الشام واليمن فقد

كان لهم من جوار الفرس والروم ما جعلهم يتلقون كثيرا من الأداة، فتسوقهم حاجة

التعبير والإبانة عما في النفس على أن يكون لذلك الشيء الذي استعملوه لفظا يعبر

عنه.

والمعقول في اختيار اللفظ للمعنى ثلاث طرق:

الأول: الوضع الجديد، وهذا لا مجال للكلام فيه؛ لأن الأقدمين ما عولوا

عليه، وليس بيننا من يقول به على ما أظن، وسبب هذا فيما أعلم أن أحرف اللغة

العربية قد شغلتها الأوضاع، فقلما نركب ثلاثة أحرف إلا وجدنا مجموعها قد وضع

واستعمل اللهم إلا حروفا قلائل، استثقل العرب جمعها في كلمة واحدة ومثل الثلاثة

الأربعة والخمسة.

الثاني: التوسع في الاستعمال وهو المراد بالتجوز: بأن يكون اللفظ قد وضع

بإزاء مسمى، ولمناسبة بين المسمى القديم والجديد يستعمل ذلك اللفظ في المعنى

الجديد ككلمة (تأمور) فإنها في أصل اللغة القلب؛ لأنه وعاء الدم ثم توسعوا فيها

فجعلوها لكل وعاء، فإذا جاءهم أي وعاء على أي شكل استعملوا فيه لفظ (تأمور)

ولا يأخذون عن غيرهم شيئا، حتى يتركوا كلمة إبريق التي وضعها صناعه لتدل

على شكله الخاص به، ويبحثون في كلماتهم القديمة عن لفظ قديم يدل على ما يشبه

الدينار والدرهم فيستعملونه فيها ولا يأخذونها.

الطريق الثالث: التعريب وهو أنه يأخذ من المخترع للشيء المسمى واسمه؛

بعد أن يصقلوه بألسنتهم حتى يكون خفيفا عليها مناسبا للهجتها، وهذا هو الطريق

المعقول الذي اتبعه العرب وكل أمة من أمم العالم.

مضى على الأمة العربية زمن طويل قبل الإسلام، وهي تتناول الألفاظ الدالة

على الأجناس من واضعيها وتلحقها بلغتها من غير أن يقف في طريقها معارض،

أخذوا الدينار والدرهم وألحقوهما بأبنيتهم واشتقوا منهما، فقالوا: فرس مدنر أي

فيه نقط كالدينار، وقالوا: دنر وجهه أي تلألأ، ودينار مدنر أي مضروب، ودنر

فلان كثرت دنانيره، وقالوا: رجل مدرهم كثير الدراهم، ودرهمت الخبازي صار

ورقها كالدراهم، وأخذوا اللجام واشتقوا منه، فقالوا: ألجم وملجم ولجم، وتجوزوا

في استعماله فقالوا: التقى ملجم؛ لأنه يقيد اللسان، ويكفه كما يفعل اللجام بالدابة.

أخذوا من الصناعات الإستبرق والسندس والأساور والإبريق والطست

والخوان والطبق والخز والديباج والسندس والهندسة والمهندس. وأخذوا من

النباتات النرجس والبنفسج والنسرين والسوسن والياسمين والجلنار والزنجبيل

والقرفة والفلفل والكراويا والعنبر والكافور والصندل إلى غير ذلك مما أحصاه نقلة

اللغة.

وكانت قاعدتهم في التعريب على جهتين:

(الجهة الأولى) أن يلحقوا الكلمة بأبنيتهم، ومتى صارت الكلمة كذلك

عدت من اللغة، وحكم عليها بما حكم على بقية الكلام فيشتقون منها، وكانوا يبدلون

حرفا مكان حرف لتقارب مخرجهما، كما فعلوا في لجام وكان أصله (لغام) بالغين،

والجيم والغين متقاربان مع سهولة الجيم، وإذا كان الحرف بين كاف وجيم جعلوها

جيما لقربها منها، ولم يكن بد من إبدالها؛ لأن ذلك الحرف ليس من كلامهم،

فقالوا: جربز وآجر وجورب. وربما جعلوها قافا؛ لأنها قريبة أيضا فقالوا:

قربز. ويبدلون مكان آخر الحرف الذي لا يثبت في كلامهم الجيم، فقالوا: كوسج

وساذج، وأصل ذلك كوسه وساده كما ننطق به نحن الآن، ويبدلون مكان الحرف

الذي بين الفاء والياء الفاء، فقالوا الفرند والفندق، وربما جعلوها باء، فقالوا برند،

فالبدل مطرد في كل حرف ليس من حروفهم، يبدل منه ما قرب منه من الحروف

الأعجمية.

(والجهة الثانية) أن يبقوا الكلمة على وزنها عند الأمة ذات الشأن في وضعها

كما فعلوا في الأبريسيم والأهليلج، وكما فعلوا في كثير من الأعلام، وقصدهم من

ذلك ألا يبقى هناك كبير فرق في النطق بين اللفظيين الأصل والأعجمي وثنيه

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ٣٧٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ٣٧٠