تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأن لا يكتب فيها عن سياسة الدول أكثر من عمود أو عمودين في العدد، يلخص

في ذلك الثابت الذي فيه عبرة وفائدة للجمهور. وسنوضح هذا في الكلام عن رأيه

في السياسة والجرائد من جزء الترجمة الذي نؤلفه ونطبعه الآن، فلينتظر محبو

الحقائق. ولا مبالاة بأهل الأهواء. ونختم هذه الكلمات بجملة في سياسته كتبها

حافظ أفندي إبراهيم الأديب الشهير في كتابه الذي سماه سطيح ونشرتها جريدة

السياسة المصورة وهي:

بين سطيح

وأحد تلاميذ الإمام

سطيح: أين أنت من القوم؟

التلميذ: من أولئك الذين نقموا الرضا على العهدين، ولم يحمدوا مغبة الحكمين:

عهد الدولة التركية وعهد الدولة البريطانية. ففي أولهما فاضت المظالم وغاضت

الأموال، وفي ثانيهما أخصبت الأرض وأجدبت الرجال.

سطيح: وهل أنت في خفض من العيش؟

التلميذ: لا أشكو بحمد الله عسرا، ولا أرجو يسرا. وإنما أتفيأ ظل هذا البيت

العربي لذلك الشاعر الأبي:

مذبذب الرزق لا فقر ولا جدة ... حظ لعمرك لم يحمق ولم يكس

قال: وأين مكانك من العلم، وأين منك منزلة الحلم؟

قال: حسبي أني من تلاميذ حكيم الإسلام الأستاذ الإمام، طيب الله ثراه، وجعل

النعيم مثواه.

قال: إني لأرى رأيا حصيفا، وأسمع قولا شريفا، فمن أي تلاميذه تكون وقد

سمعنا أنهم فريقان: فريق قد اختصه بسياسته، وفريق قد اختصه بعلمه، وقد أثنى

عليهما العميد، وتنبأ لهما بالطالع السعيد؟

قال: لا علم لي بما تقول. ولقد كنت ألصق الناس بالإمام، أغشى داره وأرد

أنهاره وألتقط ثماره فما سمعته يخوض في ذكر السياسة - قبحها الله - ولكن كان يملأ

علينا المجلس سحرا من آياته، ويتنقل بنا بين مناطق الإفهام، ومنازل الأحلام،

ويسمو بأنفسنا إلى مراتب العارفين بأسرار الخلائق وحكم الخالق، وكان ربما ساق

الحديث إلى ذكر أحوال هذا المجتمع البشري، فأفاض في شؤون الاجتماع وحاج

العمران، ووقف بنا على أسرار الحياة فإن كانوا يسمون تلاميذه أحزابا، ويقسمون

تعاليمه أبوابا، فتلاميذه حزب العلم والعرفان، وتعاليمه سياسة التقدم والعمران.

ولكنه كان يحتك بالسياسة ما دعت إلى ذلك الحال فيرصد حركاتها، ويصد

غاراتها، خشية أن تقطع على العلم سبيله، وأن تقف عثرة في طريق الفضيلة،

فلكم تلطف في ابتزاز قواها، وتحامى جهده طريق أذاها، حتى إذا ظفر بطلبته،

وفاز برغبته، واستمد منها ما شاء تحت حماية الإفتاء، عطف على العلم بذلك

الإمداد، ورد عليه ما سلبت يد الاستبداد، ولولا أنه كان يمادهم حبل الوداد،

ويجاذبهم فضل النصح والإرشاد، لأصابه ما أصاب حكيم الأفغان، وقضي على

أمة النيل بالحرمان.

مات النبي عليه الصلاة والسلام فارتدت طائفة من جفاة العرب، وكادوا يفتنون

الناس لولا حكمة الصديق وعزمة الفاروق، فما غضت الردة من شرف النبوة، ولا

نالت من عصمة الرسالة، ولبث الإسلام إسلاما. ومات الأستاذ الإمام فصبأ بعض

حزبه كما يدعون، وأستغفر الله لهم مما يقولون، فما غض ذلك من كرامة حكيم

الإسلام، ولا مس من سيرة ذلك الإمام.

... ... ... ... ... ... ... ... ... ... حافظ إبراهيم

الرجوع إلى المنار

في شأن الكتابين

طلب منا كثيرون بالقول والكتابة أن نبين رأينا في الكتابين، ففعلنا وننشر

الكتاب الآتي إجابة لطلب صاحبه.

سيدي المحترم حضرة اللوذعي الفاضل والأستاذ الكامل السيد محمد رشيد

رضا مدير مجلة المنار الزاهي.

... ... ... ... ... ... ... ... ... ... دام محترما

سيدي لا يعزب على علميتكم ما أتى على صفحات بعض الجرائد السيارة

بخصوص جواب المسيو (بلنت) ورد أستاذنا المرحوم المصلح العظيم الشيخ

الإمام عليه، ولا يخفى على ذكائكم الفريد ما تقوله ويتقوله حزب الخرافات وأعداء

أنفسهم: من أن الشيخ الإمام كان يبغي نقل الأريكة الخيديوية من آل محمد علي،

وأنه كان يريد أو يفكر في جعل أبناء التاميز مسيطرين على هيئة الحكومة، ولا

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ٣٦٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ٣٦٣