أطول أهله عمرا. فسر الملك وأجازه إجازة سنية. فالبليغ يخاطب كل مخاطب بما
يرجو أن يبلغ به مراده من نفسه.
فمن أصحاب الجرائد من يطلب من الإنكليز مطالب بصفة الآمر صاحب
السلطان، وما مراده إلا إرضاء من يقرأ هذه المطالب، فيحمد كاتبها ويجله؛ لأنه
استعلى على بريطانيا العظمى، فأنال الأمة من الاستعلاء عليها بالقول ما تلهو به
عن الفخر بالاستعلاء أو المساواة بالفعل. ولكنه لا يخطر في باله الأسلوب الذي
يمكن أن يكون مقنعا أو مقبولا عند الإنكليز؛ لأنه لا يريد منهم شيئا.
لو كان الإخلاص والغيرة على قدر كبر المطالب وإن كانت من المحال،
والتعزز على القوي يتحقق بزخرف وإن كان غرورا، لأمكن كل كاتب أن يكتب
كل يوم في إثبات إخلاصه وغيرته وتعززه نحو هذه العبارة: إني آمرك أيتها الدولة
الإنكليزية الظالمة المعتدية بأن تردي مصر إلى المصريين وقبرص إلى الدولة
العلية، بل أن تردي الهند إلى النوابين والرجاوات من أهلها، وأن تأرزي إلى
جزائرك كما تأرز الحية إلى جحرها. فإن لم تحفظي شرفك وتمتثلي هذا الأمر؛
فإننا نتفق مع بعض أعضاء برلمانك، فنؤلف منه لجنة تشاغب المجلس أحيانا في
هذه المطالب فتهزه هزا، وتؤزه أزا، أو تهز الشعور الوطني في هذه البلاد هزة
تميد لها جزائر بريطانيا ميدانا، وتزلزل زلزالا، ربما كان من ورائه البلاء النازل
والخسف العاجل؟ ؟
***
رأي الأستاذ الإمام
في السياسة (أو سياسته)
في مصر أفراد من الكتاب يبغون العلو والرفعة بالغلو في دعوى حب الأمة
والتفاني في خدمتها بمقاومة المحتلين بالكلام، ومن هؤلاء من كبر عليه ما ناله
الأستاذ الإمام من علو المكانة بعلمه وحكمته وخدمته للملة، ومنهم من يثقل عليه أن
يجله بعد وفاته خلق كثير، فهؤلاء يريدون أن يخدشوا ذلك الصيت الحسن والشهرة
الشريفة؛ ليرفعوا أنفسهم ويحطوا من قدر جماعة ذلك الإمام العظيم، ولم يجدوا
بابا أوسع من السياسة التي يكثر فيها الإيهام وتسهل فيها الدعوى، ويقبل على
مائدتها كل طفيلي يطرد عن مائدة العلم والحكمة. وجد بعض هؤلاء في الكتابين
متسعا للقيل والقال ومشاغبة حزب الأمة؛ لأن رئيسه وكبار المؤسسين له كانوا من
أصدقاء الأستاذ الإمام، والذين لا يزالون يصرحون بإجلاله وبكونهم أنشأوا الجريدة
عملا برأيه.
رأى مناهضو هذا الحزب أنه يستفيد مما ذكر ميل مريدي الأستاذ الإمام،
وهم أرقى الأمة عقلا وعلما وبلاغة، فمنهم العظماء والوجهاء والمدرسون والكتاب
والشعراء، فأرادوا أن يحرجوه ليتبرأ من الانتماء إلى الأستاذ الإمام في سياسته،
فينفر منهم مريدوه. ولكنهم سلكوا مسلك الحمقى فعرضوا بالإمام نفسه فجاء سعيهم
بنقيض ما أرادوا.
وقد كتب بعض الكاتبين يسأل عن حقيقة سياسة الأستاذ الإمام، ويطلب من
مريديه بيانها، وهل هي عين سياسة (الجريدة) وحزب الأمة، وعين ما جاء في
الكتابين اللذين نشرها مستر بلنت أم ما هي؟
ونجيبهم عن ذلك بمثل ما قلناه في المنار غير مرة: من أنه استقر رأيه في
أواخر عمره على الإصلاح الديني والاجتماعي واللغوي فقط، وترك السياسة بتة
وعندنا كتابه في ذلك بخطه لعلنا نطبع صورتها الفوتغرافية في تاريخه عند الكلام
على سياسته، وعندما كان يشتغل بالسياسة كانت قاعدة عمله مقاومة الاستبداد
وجعل سلطة الأمة في أيديها، بحيث لا يبقى لحكامها منفذ للاستبداد فيها.
أما الجريدة فهي تنفيذ لفكرته من حيث هي لجماعة من الأمة لا لفرد منها،
وقد كتبنا في الجزء الثاني من منار هذه السنة (ص160) أنها تنفيذ لرأيه، وزدنا
على ذلك قولنا (وإن لم تكن كما كان يريد من كل وجه) فقد كان يريد أن تكون
الجريدة التي دعا في آخر عمره إلى إنشائها اجتماعية أدبية زراعية أكثر مما هي
سياسية، وأن يكتب فيها كل يوم عن الأخلاق والعادات والتقاليد الفاشية في البلاد