تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ذلك، ولا يكونوا آلة في أيدي رؤسائهم من الإنكليز. وهذا مطلب لسنا بمدركيه

اليوم، فإنه لا يمكن لرئيس ولا مرؤوس في الحقانية أن يجري في المحاكم

الشرعية أمرا لا يرضاه المستشار القضائي.

وأغرب ما سمعت من بعض الأغرار (البسطاء) أن الكتابين تضمنا طلب

جعل بعض الوزراء من الإنكليز، فلما قيل له: إنه ليس فيهما شيء من ذلك وإنما

فيهما مطلب مهم مبني على فرض وقوع ذلك بالرغم منا، قال: إنه ما كان ينبغي

ذكر هذا الفرض والتقدير؛ لأنه يذكرهم بهذا الأمر! ! فتعجب أيها القارئ من هذه

السذاجة والغرارة والغفلة عن الواقع والاهتمام بالألفاظ دون الحقائق.

ومما تقدم من البيان يعلم القارئ أنه ليس في الكتابين شيء ينتقد. وقد سمعت

أشهر أعضاء الحزب الوطني حماسة وإخلاصا يقول: إنه ليس فيهما شيء ينتقد

إلا جعل إنكلترا كافلة للدستور؛ لأن هذا بمعنى الحماية، ولكننا لا نشك لأجله

في إخلاص المرحوم الشيخ. فقلت له: كان يصح أن يقال: هذا لو كانت هذه

الكفالة من مواد الدستور، وكان الدستور مصدقا عليه من الدولة العلية، فيكون

حينئذ حقا رسميا لها. وليس فيما كتب شيء من ذلك، وإنما الموضوع أن تسمح لنا

إنكلترا بهذا الدستور، وتكتفي هي عن القبض على أزمة السلطة فينا بمراقبة سيرنا

على الدستور والنظام المطلوب، ولا تسمح للخديويين أن يغيروه إذا حاولوا ذلك.

ومعلوم أنها لا تسمح لهم الآن بتغيير ما في التشريع ولا مداخلة ما في التنفيذ مع

قبضها على كل شيء وعدم تحملها لتبعة شيء، فأي الأمرين أفضل؟ ؟

وعلى ذكر رأي عضو الحزب الوطني أن تلك العبارة التي انتقدها من

الكتابين لا تدعو إلى الشك في إخلاص الكاتب - ننبه إلى سيئة فاشية فينا هي من

أقبح السيئات وأشدها ضررا في الأمة؛ ألا وهي اتهام كل من نراه أخطأ في مسألة

من المسائل العامة بسوء النية وعداوة البلاد وبغض الأمة وحب الإنكليز ومساعدتهم

على ما يقصدون بنا من السوء! ! وتفرع عن هذه السيئة سيئة أكبر منها وهي

اختراع بعض الناس الخطأ أو تكلفهم استنباطه من كلام من يكرهونه؛ لأجل إلصاق

تلك التهمة به.

فشو هذه السيئة مع أختها أعظم أسباب تفرق الأمة وضعفها وانقسامها على

نفسها (كما يقولون) لا سيما بعد توجيه الجرائد هذه التهمة إلى الجماعات

والأحزاب، وليت شعري، أي قيمة لهذه الأمة إذا صح ما ترجف به بعض الجرائد

من اتهام حزب الأمة برمته بعدم الإخلاص للأمة؛ وبمشايعة المحتلين عليها بعد

الإرجاف بأن ذلك النابغة العظيم (الأستاذ الإمام) الذي اعترف بنبوغه الشرق

والغرب، كان غير مخلص للأمة أو لأميرها؟ بل أي تعريض بالأمير أشد من

إثبات أن نابغي المستقلين يقاومونه، وأن جمهورا كبيرا من سراة الأمة يؤلف حزبا

وينشئ جريدة لمقاومة نفوذه؟

قد يقول سائل: إن المنار قد أبرز هذه المطالب بأسلوب يظهر منه ما لم

يظهر من ترجمة الكتابين؛ على كونه لم يأت بشيء جديد، فهلا كتب المرحوم

المفتي كتابيه بهذا الأسلوب الذي يتجلى فيه الإخلاص لمصر والتفاني في خدمتها

دون ذلك الأسلوب الذي يلوح منه إرضاء الإنكليز أو استرضاؤهم، إن لم نقل

محاباتهم؟ وجوابه من وجهين (أحدهما) : إننا لم نطلع على ما كتبه المرحوم بنصه

فنحكم على أسلوبه. (وثانيهما) إنه لم يكتب ليمتن على قومه بحبه لهم ومقاومته

لمحتلي بلادهم، ولا ليظهر للإنكليز أنه مبارز لهم، وإنما كتب لصديق له يسعى

في خير مصر. على أنه لو كتب للحكومة الإنكليزية نفسها لوجب عليه في شرع

البلاغة أن يجعل تلك الكتابة بأسلوب يرجى قبوله، وعدم اتهام صاحبه بالعداء

والمقاومة ولكل مقام مقال.

رأى أحد الملوك في النوم أن أسنانه سقطت، فعبر له الرؤيا معبر بقوله: إن

جميع أهلك وأقاربك يموتون في حال حياتك، فاستاء الملك وعاقبه عقابا شديدا. ثم

جيء بمعبر آخر، فقص عليه الرؤيا، فقال له: تأويل هذه الرؤيا أن الملك يكون

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ٣٦١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ٣٦١