تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يأخذها من هم أهل ومن ليسوا بأهل لحضور مجالس الأمراء والملوك، فكان من

النظام الذي وضعه له حسن عاصم أنه لا يحضر المرقص أحد إلا من دعاه ديوان

التشريفات دعوة خاصة باسمه، وأنه لا يدعو من الأجانب إلا من كان معروفا عند

الأمير، ولو بتقديمه إليه قبل المرقص بزمن قريب، كما أنه لا يدعو من الوطنيين

إلا من كانت صفته كيت وكيت ككونه من أصحاب الرتبة الثانية فما فوقها أو ما

يقابل ذلك. فساء هذا النظام وكلاء الدول وقناصلها فعهدوا إلى لورد كرومر وهو

أقدمهم أن يعترض على ذلك ويتلافاه، فكلم حسن باشا فيه فاحتج عليه هذا بتفضيل

النظام على الفوضى، وأطلعه على إعلان من شركة كوك التي تتولى نقل السياح

في مصر من مكان إلى آخر، وفيها أن سياحها يشاهدون كذا وكذا من الآثار

القديمة، ويحضرون المرقص (الباللو) الخديوي! فقال له اللورد: إنني أجل النظام

ولا يليق بي ولا بدولتي أن نعترض عليه، ونحن دعاته ولكنني أعلم أن السراي لا

يلتزم فيها نظام بل المستثنى فيها من القاعدة أكثر من المستثنى منه، فنحن لا

نرضى أن يكون النظام ساريا علينا وهو غير مطرد. فقال له الفقيد: إنني أضمن

لجنابكم بأنني أنفذ هذا النظام ما دمت هنا بلا شذوذ قط، وعلي تبعة ذلك إلا أن يأمر

رب المكان بشيء، فلا يمكن لخادمه أن يعارضه فيه. إذ يحتمل أن يقدم له شخص

في غير السراي فيدعوه هو مثلا، فهل يمكن أن يسئل عن ذلك؟ فاقتنع اللورد بذلك

ولم يسعه إلا الرضا. سمعت هذا من الفقيد نفسه.

وقد مكث في منصب رئيس التشريفات بضع سنين، ثم رقاه الأمير فجعله

رئيس الديوان الخديوي، فكانت خدمته أجل وأوسع؛ إذ تعدت خدمة الأمير الخاصة

إلى خدمة الأوقاف العمومية. ولكن قلب الأمير تغير عليه ففصله بعد ثلاث سنين

من منصبه بالإحالة على المعاش. فكبر ذلك على الناس، وكثر حديثهم فيه وظهر

أثر ذلك في الجرائد، فكانت متفقة على الثناء على الفقيد، فرأينا أن نجعل ذلك

وسيلة للموعظة وسوق العبرة إلى المستعدين للاقتداء بعظماء الرجال وطلاب

الفضيلة والاستقلال، فكتبنا يومئذ في المنار نبذة في ذلك (راجع ص758م7) .

وقد أشار المؤيد إلى نحو ما نقلناه يومئذ عن اللواء مع زيادة؛ إذ قال عند بيان

سبب عزل الفقيد من رياسة الديوان الخديوي في ترجمته له ما نصه:

(وقد أمضى الفقيد نحو سبع سنوات رئيسا للتشريفات الخديوية وثلاثا رئيسا

للديوان الخديوي مثالا لأشرف موظف نزيه، يخلص العمل والخدمة لمولاه، ويؤدي

الوظيفة المنوطة به أشرف أداء. ثم فصل بعد ذلك لأمر حسب نفسه فيه مؤديا

واجبا كما ينبغي عليه، وحسبه الجناب الخديوي متعنتا فيه. وزادت الريبة منه كلمة

قالها اللورد كرومر لأحد رؤساء الدواوين الخديوية ليبلغها للجناب العالي، إذ قال

اللورد: (إنني أهنئ الجانب الخديوي بوجود رجل مستقل قوي الإرادة نزيه مثل

حسن عاصم باشا في معيته) فخالج الجناب العالي ذلك الفكر الذي طاف قبلا على

خاطر اللورد كرومر؛ لأن هذا اللورد كان قد اعتقد أن لشدة مراس الرجل في

وظائفه القضائية أثر ظاهر من آثار الانحياز إلى جانب المعية السنية، وهي التهمة

التي كانت تلقى على كرام الوطنيين للتنكيل بهم. ولذلك كان يحسب الفقيد من أشد

أعداء الوكالة البريطانية. فلما جاء الوقت الذي تجلت فيه صفات الفقيد كما هي شهد

تلك الشهادة العالية، فأولت التأويل الطبيعي الذي كان نتيجته شدة التنافر بين قصر

الدبارة وعابدين. ولذلك قال كثيرون من الناس: إن اللورد أراد بحسن عاصم باشا

سوءا إذ شهد له هذه الشهادة، وهو يعلم ماذا يكون وقعها في نفس مولاه في تلك

الظروف) .اه ثم قال المؤيد: إنه لم يطل الأمر بعد ذلك حتى رضي عنه

الأمير.

ونحن نعلم أن اللورد قال كلمته في الفقيد عن إعجاب بمزاياه لا سيما بعد ما

تبين له أن الحق عنده يعلو على كل شيء، فلا يتحيز لغيره ولا يراعي فيه مولاه

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ٣٤١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ٣٤١