تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الأمير فضلا عمن دونه. وإن الذين قالوا: إنه أراد به سوءا. يسيئون الظن بالأمير

إذ يعتقدون أن اللورد يقدر بكلمة واحدة أن يغيره على ما يشاء، وإن ثبتت استقامته

وكفاءته بحيث صار أشهر بهما من علم في رأسه نار، وأظهر من الشمس في رابعة

النهار، والأمير أذكى ذهنا وأوسع فهما مما يعتقدون.

عمله في الجمعية الخيرية الإسلامية:

كان سبب تأسيس هذه الجمعية أن مشعوذا ممثلا أجنبيا، جاء مصر من نحو

ست عشرة سنة، فربح منها مالا كثيرا، فأراد أن يجعل ليلة من لياليه لفقراء

المسلمين، وبلغ محافظ العاصمة إبراهيم باشا رشدي ذلك فاجتمع بعض أهل الغيرة

والفضل وائتمروا بينهم في ذلك، فاتفقوا على أن يزينوا حديقة الأزبكية في تلك

الليلة، ويضيفوا إلى ألعاب المشعوذ فيها ضروبا أخرى من اللهو المباح، ويحفظوا

المال ليجمعوا إليه غيره بالتبرع وغيره، ويجعلوا ذلك أصلا لجمعية خيرية إسلامية،

وكاشفوا المحافظ بذلك فوافقهم عليه (وقيل إن زينة الحديقة كانت بعد) أولئك هم

الأخلاء الصادقون في خلة بعضهم لبعض وفي حب ملتهم وأمتهم، منهم فقيدنا اليوم

الذي نعتبر بسيرته، وفقيدنا بالأمس الأستاذ الإمام رحمهما الله، ومنهم سعد باشا

زغلول وحشمت باشا ودرويش بك السيد أحمد وإخوانهم من الأحياء أطال الله

أعمارهم، وقد وضع هو قانون هذه الجمعية بمشاركتهم على أساس من الحكمة متين

وكان أحكم أصوله وجوب إضافة نصف الدخل (الإيراد) السنوي إلى رأس المال؛

لأجل الاستغلال والنصف الآخر يكون للتعليم وإعانة الفقراء. والسبب في هذا

ضعف ثقتهم بأهل البلاد في كل ما يقوم بالتعاون والاجتماع لاسيما إذا كان لمحض

الخير، وكان حسن عاصم أضعفهم ثقة حتى إنه لم يكن يطلب من أحد معاونة ولا

تبرعا إلا نادرا، وكان جل خدمته للجمعية في الإدارة الداخلية لماليتها ومدارسها،

فكان ينظر بنفسه في الأمور الكلية والجزئية حتى ما كان من شأن الكتبة. قال لي

درويش بك أمين سر الجمعية: إنه ما كان يكلفني إلا ضبط الحسابات ثم هو يقوم

بسائر أعمالي. وأما الأستاذ الإمام فكان لا ينظر في الأمور الداخلية إلا إلى الكليات

ونحو امتحان من يرشحون للتعليم في المدارس من الجزئيات، وكذا أمور التنفيذ إذ

كان رئيسا ولكنه كان يسعى في الخارج لتكثير مال الجمعية، ويدعو الأمراء

والوجهاء حتى كبراء الأجانب إلى التبرع لها أو الاشتراك فيها، وهو الذي دفع

الوشايات عنها ولولاه لما بقيت، فكانا رحمهما الله تعالى يكمل أحدهما ما يقصر فيه

الآخر.

وههنا نبين الحقيقة في مسألة ألم بها المؤيد، فلم يحسن التعبير ولا وافق

الصواب، وكانت عبارته وهو يقصد بها مدح عاصم باشا ذما له بالاستبداد والشذوذ

عن الآداب، وهضما لحق رئيسه في الجمعية (الأستاذ الإمام) وكذا لسائر أعضاء

مجلس الإدارة؛ إذ جعل وجودهم في المجلس كعدمهم من حيث إنهم لم يكن لهم رأي

ينفذ إذا خالف رأي عاصم باشا. بل أقول: إن هذه العبارة تفيد سلب أقوى

مزايا عاصم باشا عنه وهي مزية التزام النظام واتباع القانون كأنه أمر إلهي. ولا

شك أن صاحب المؤيد لا يقصد هذا، ولكنها زلة قلم ولا عصمة إلا لكتاب الله تعالى.

أما عبارة المؤيد فهي:

(ولم يكن يسمح لأحد أن يتعدى على النظام الذي عمله لها، حتى استبد بجميع

شؤونها، وله في كل سنة وقفة أمام مجلس إدارة الجمعية الخيرية الإسلامية في

شيء ينتهي الأمر فيها إلى العمل برأيه، ومع ما كان من صداقته للمرحوم الشيخ

محمد عبده وخصوصا حيث كان رئيسا للجمعية الخيرية الإسلامية، قد أراد هذا أن

يتداخل سنة 1904 في أمر مدرسة المحلة الكبرى، فرأى الفقيد أن تداخله هذا قد

يشوش عليه عمله، ويجعل لأساتذة مدارس الجمعية وأهالي تلامذتها مندوحة إلى

مخاطبة غيره في أمرها فكتب إليه تلغرافا وهو في المنصورة يقول له: (لا تضع

قدمك في المحلة الكبرى قبل أن تقابلني ولا أسمح لك بالتداخل في شئون مدرستها)

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ٣٤٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ٣٤٢