الورد كرومر أمره بعزله كما يقال، فحار في أمره وبعد العناء والجهاد قدر على أن
يستبدل العزل وجعله قاضيا في محكمة الاستئناف الأهلية بمرتب أنقص من
مرتبه قبله، فلم يزده ذلك إلا جدا في العمل ومضاء في الإصلاح. ومما يؤثر عنه
أنه كان يسمع خبر عزله، فلا يحدث عنده فتورا ولا مللا ولا يثنيه عن الابتداء
بعمل جديد أو وضع مشروع لعمل مستقبل، وإن كان يتوقف تنفيذ هذا وإتمام ذاك
على بقائه في عمله. وقد كان مما اقترحه في أثناء التحدث بعزله نقل طائفة من
الكتاب باليومية في محكمة الاستئناف لعدم الحاجة إليهم إلى المحاكم الابتدائية التي
هي في أشد الحاجة إليهم، فأخبره رئيس الكتاب بأن أمر عزله قد تقرر بل كتب،
ولم يبق دون تنفيذه إلا ختمه، فقال رحمه الله ما معناه: إن هذه فرصة تحرم
إضاعتها، وإنني أعمل الواجب ما دمت متمكنا منه، وإن هذا التمكن يستمر إلى أن
أبلغ الأمر بالعزل رسميا.
عمله في المعية
عز على أصدقاء هذا العامل المصلح أن يكون ظنينا على عمله عند القوة
الفعالة في البلاد، وأن لا يوضع في الوضع الذي يستحقه من ناصية القضاء، ولما
خلا منصب رياسة التشريفات عند الأمير بنقل عباني باشا منه إلى نظارة الحربية،
بادر الأستاذ الإمام فرغب إلى الأمير أن يجعل الفقيد رئيسا للتشريفات، فذكر له
الأمير رجلا آخر من المرشحين عنده لهذا المنصب، فقال الأستاذ الإمام رحمه الله
وكان الأمير أطال الله عمره يقدر رأيه حق قدره: كلا الرجلين كفء ويمتاز عاصم
بمعارفه القضائية، وأفندينا تعرض عليه القوانين واللوائح فيحسن أن يكون في
معيته من يدرسها ويبدي رأيه فيها. ذكر لي ذلك الأستاذ في سياق عناية الأمير به،
وكونه هو الذي اقترح جعله مستشارا في الاستئناف، ثم جعله مفتيا، وما كان فضل
عاصم ليخفى على الأمير، لذلك فضله على غيره وولاه هذا المنصب.
إننا نرى من المتعلمين من يختار أو يختار أولياؤه له علم الحقوق ليكون قاضيا
أو محاميا، أو علم الهندسة ليكون مهندسا، أو علم الطب ليكون طبيبا مثلا. ولكننا
نرى النابغين فيما يوجهون جل عنايتهم إليه قليلين، وأقل من هذا القليل من
يبرع في العمل كما نبغ في العلم، وأقل من هؤلاء من يعهد إليه عمل غير ما استعد
له واشتغل فيه، فيتقنه بعد إتقان غيره والبراعة فيه. أولئك الذين أعطوا من
المواهب العقلية ما أعدهم لإتقان كل عمل يشتغلون به، وقد كان حسن عاصم من
هذا الفريق النادر، فإنه كان في أخلاقه وجل معارفه وسابق عمله أبعد الناس عن
خدمة الأمراء، ولكنه على هذا عمل في خدمة الأمير ما عجز عن مثله كل من كان
في خدمته وخدمة أسلافه، كما عجز عن الزيادة عليه من جاء بعده.
كان رجال التشريفات من قبل رياسته لا عمل لهم في غالب أوقاتهم، فخلق
لهم من الأعمال ما استغرق عامة أوقاتهم في القصر، حتى إنه استخرج دفاتر
التشريفات القديمة من عهد محمد علي، وعرف ماضي ذلك وحاضره، ثم وضع
للتشريفات نظاما ثابتا حدد فيه أوقات المقابلات الرسمية وغير الرسمية، وكذلك
الدعوات وحفلة المرقص الخديوي، فقد كان كل ذلك محفوفا بالفوضى والخلل.
ومن ذلك أنه اشترط فيمن يقابل الأمير شروطا في الزي للموظفين وغير
الموظفين، قد تختلف باختلاف المقابلات واختلاف زي الأمير العسكري والملكي
فيها، ونفذ ذلك كله على الوطنيين والأجانب على سواء. وما كان يسهل عليه أن
يشذ عن نظامه ذاك أحد.
وأذكر من تنفيذه النظام على الأجانب من كبار المحتلين وغيرهم أن بعض
كبار الموظفين منهم جاء عابدين بلباس غير ما يجب في تلك المقابلة فنبهه إلى ذلك
فعاد إلى بيته وغير زيه.
وأعظم من ذلك أن مرقص الخديوي كان يحضره من أوشاب الإفرنج من
يعرف ومن لا يعرف. وسبب ذلك أن ديوان التشريفات كان يرسل إلى كل وكالة
سياسية للدول عدة أوراق، ليس عليها أسماء ليدعي بها وجهاء الأجانب، فكان