رغم أنفه كما يشاهد في حالات البارابليجيا أي الشلل النصفي، وكذا في إصابات
النخاع العارضة إذا كانت فوق المراكز التي تقوم بالفعل المنعكس.
أما ما يصل إلى المخ من التنبيهات بواسطة الحواس فليس من الضروري أن
يجيب عنها في الحال كما هو شأن النخاع وشأن الحيوانات الأولية. ولكنها تحدث
فيه آثارا مخصوصة عليها مدار ما يأتيه الإنسان من أقوال وأفعال.
قال العلماء الفسيولوجيون والبسيكلوجيون: إن أعمال الإنسان هي أفعال
منعكسة مركبة متضاعفة. والفرق بين ما يأتيه باختياره وبين ما يحصل بدون
اختياره كالأفعال المنعكسة للنخاع - إنما هو في مدة حصول كل منهما. كما صرح
بذلك العلامة (أغسطس د. وللر) الفسيولوجي الشهير، فالفعل القهري ينعكس
بسرعة وما نسميه اختياريا ينعكس ببطء وكلاهما في الحقيقة فعلان منعكسان , ولا
يصدر عن الإنسان إلا ما كان نتيجة ما وصل إلى مخه مما أحاط به من الظروف
والأحوال وما لحقه بسبب الوراثة الطبيعية عن الآباء والأجداد.
فالإنسان في الحقيقة مضطر في صورة مختار كما وصفه بذلك عندنا علماء
الكلام كالإمام فخر الدين الرازي، فهو ليس إلا آلة لانعكاس ما حوله ولا يصدر منه
شيء ابتدائي مطلقا؛ إذ جميع أعماله إنما هي نتيجة تربيته ومعلوماته وما ورثه وما
أحاط به من ظروف وأحوال وغيرها؛ أي هي نتيجة مزاجه والوسط الذي نشأ فيه
وإلا فكيف نفسر ميل هذا للشر وميل ذاك للخير إذا كان كل شيء فيهما متساويا؟
على أن القول بتساوي البشر في الطباع والأخلاق والظروف مما يكذبه الحس
والعيان. ولو كان صحيحا ما وجد بهم اختلاف ما في الميل، ولو وجد الاختلاف
لجاز حصول المعلول بدون علة أو الترجيح بدون مرجح وهو محال.
هذا هو تقرير العلم والعقل لهذه المشكلة. فإذا كان البشر لم يخلقوا متساوين
وليسوا في الظروف متفقين (ولا دخل لهم في ذلك) وجميع أفعالهم ليست إلا
نتيجة تركيبهم. والمؤثرات المحيطة بهم، إذا كان الأمر كذلك. فهل يقال: إن لهم
إرادة حقيقية متصرفة في شيء؟
الحق أقول: إن اختيارهم ليس إلا أمرا ظاهريا. وإذا كان كذلك فلماذا نعاقبهم
على ما يرتكبون في هذه الدنيا، وهم لا شك إليه مسوقون وعليه مدفوعون؟
الجواب سهل، وهو أن العقاب من العوامل المؤثرة في النفس، فتنزعج له
وترتدع بسببه، وكذلك يؤثر في نفوس غيرهم ممن رأوه أو سمعوا به، فتقل الشرور
في هذا العالم: ﴿ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب﴾ (البقرة: 179) ولكن
هل يسوغ لنا هذا ظلمهم بالعقاب مع علمنا بأنهم مكرهون؟ إن كان هذا غير
مسوغ، فنحن إذا جميعا ظالمون!
وهناك مسألة أخرى أيها المادي. وهي لماذا كان بعض المادة جمادا لا يشعر
وبعضها الآخر نباتا أو حيوانا يحس ويتألم ويتلذذ؟ ولم كان الناس مختلفين ما بين
غني وفقير، وصحيح ومريض، ومتنعم ومعذب، وفرح وحزين، إلى غير ذلك
من التباين والاختلاف بين أجزاء المادة؟ أليس هذا ظلما في رأيك؟ فإن كان ظلما
فالكون كله ظلم في ظلم، ونحن ظالمون مظلومون، ولا يخلصك من ذلك إنكارك
لوجود الخالق أو إقرارك به، فأنت أنكرت ما أنكرت فرارا من القول بالظلم
فوقعت فيه.
قد يقول: إنني بإنكاري الخالق تكون تبعة هذا الظلم ليست واقعة عندي إلا
على الوجود. ولكنها عندكم واقعة على إلهكم. ونقول: إن الظلم أمر اعتباري،
فما تسميه أنت ظلما يراه الآخر عدلا؛ ولذلك اختلف الناس في ذبح الحيوان أو
أكله مثلا، فبعضهم يستقبح ذلك وبعضهم لا يرى فيه عيبا، فما عرفت به الظلم
يخالفك فيه غيرك، ويقول: إن الظلم هو التصرف فيما ليس بحق المتصرف ,
والعدل هو تصرف المالك في ملكه بما يرى. فإذا ملكت بعضا من الأنعام فذبحت
بعضها وأطلقت بعضها الآخر فلست بظالم، وإذا خول القانون للقاضي
الحكم في مسألة بإحدى عقوبتين، فاختار ما شاء منهما فليس بظالم. وإن لم تسلم