تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مستحيلا وإلا لما أمكن للبشر إنطاق الجماد (كما في الفونوغراف) ونقل الكلام إلى

مسافات بعيدة كما في (التليفون) والسير بسرعة عجيبة كما في الآلات البخارية

والكهربائية إلى غير ذلك من الاختراعات الغريبة التي ما كان يحلم بها الأولون،

ولو أخبروا بها لكذبها أكثرهم كما يكذب المعجزات بعض أهل هذا الجيل الحاضر

الذين فتنوا بمعلوماتهم التي هي بالنسبة لما خفي عنهم ليست إلا جهالات مركبة.

ولو عمل الإنسان بهذا المبدأ السخيف، وهو الجزم باستحالة الشيء لعدم

اعتياده له، لما تقدم خطوة إلى الأمام في سبيل الاختراع والاكتشاف. أما إذا

كان إنكار المعجزات مبنيا على ادعائهم استحالة خرق نواميس الطبيعة، فهي

دعوى لا يمكن إثباتها، ويوجد في عالم الحيوان والنبات من الشواذ ما يكذبها،

ولا يمكن تعليلها ولا تبين سبب مخالفتها للمعهود، كما في الأجنة التي تولد مختلطة

بعضها ببعض أو ناقصة أو زائدة عضوا أو جزءا منه. فلم لم تجر هذه الأشياء

على ما اعتدناه؟ على أننا لا نعرف جميع نواميس الكون حتى نجزم بأن كل ما

خالف ما علمناه منها يكون خارقا لها، فلم لا تكون تلك المعجزات تابعة لناموس

لا نعلمه إلى الآن؟ ومتى علمناه أمكننا تفسيرها تفسيرا علميا صحيحا.

ألم تر إلى العلماء قبل أن جاء داروين بنظرياته في ارتقاء الأنواع بعضها عن

بعض، كيف كانوا لا يفهمون معنى للأعضاء الأثرية، ولا يدركون سببا لظهور

بعض الأشياء في أجنة الحيوانات ثم انمحائها قبل أن تقوم بأية وظيفة أو تؤدي أي

عمل؛ كالأسنان التي تظهر في طور التكوين في الفك الأعلى لأجنة الحيتان

والحيوانات المجترة ولا عمل لها إذ ذاك، ثم تزول ولا يبقى لها أثر، حتى ظن

بعض الناس أن ظهورها هذا عبث، ولو لم تشاهد بالحس لأنكر المكابرون وجودها.

فليتأدب الإنسان وليعلم أنه لم يؤت من العلم إلا قليلا، ولا يغترن بما علم من

ظواهر الأمور.

الإنسان طائش، إذا جهل حكمة شيء أسرع بتكذيبه وإنكاره. ولكن ذلك لا

يغنيه من الحق فتيلا. جهل حكمة الخالق لهذا الوجود وكنهه فتسرع في إنكار

وجوده، فهل أراحه ذلك مما أحاط به من المعضلات التي يناجيه بها عقله ويطالبه

بحلها؟ أنت مسكين أيها الإنسان وبعقلك حيران.

نظر المادي نطرة سطحية في الكون، ودعاه للإيمان باليوم الآخر وبقضاء الله

وقدره، فقال: لو آمنت بذلك لآمنت بظلم مبين، فأنا أنكره كله لأستريح من هذا

العذاب الأليم، والتجأ إلى جحر التكذيب فلحقه فيه ما فر منه، ولكي تفهم ذلك يجب

أن تصغى لما سأتلو عليك:

إن أبسط الأحياء في هذا العالم ما كان ذا خلية واحدة كالحيوان المسمى

(أميبا) هذا الحيوان هو قطعة صغيرة من مادة حية تسمى البروتوبلاسم [3] ولها من

خواص الحياة ما هو معلوم للفسيولوجيين، فإذا نبهت بأي منبه تحركت.

إذا ارتقينا إلى ما فوق هذا الحيوان في الرتبة، وجدنا هذه الخاصية - وهي

إجابة التنبيه بالتحرك - أخذت في التضاعف في الحيوانات المركبة، وامتاز بعض

أجزائها (وهي أيضا عبارة عن خليات بروتوبلاسمية) بالقيام بها دون سواها. فبعد

أن كانت الأميبا هي التي تقابل بنفسها التنبيه فتتحرك بجملتها، صار في الحيوانات

الراقية بعض الأجزاء مختصا بمقابلة التنبيه، فتجيب عنه أجزاء أخرى بالحركة.

أما الأجزاء الأولى فهي الأعصاب الحساسة التي تحمل التنبيه إلى المراكز العصبية

كالتي في النخاع الشوكي، فيرتد فيها إلى أعصاب أخرى تسمى الأعصاب المحركة

حتى يصل إلى العضلات فيؤثر فيها تأثيرا مخصوصا يظهر لنا بانقباضها. وهذا

هو ما يسمى بالفعل المنعكس (ومن أراد زيادة التفصيل فعليه بكتب الفسيولوجيا)

وهو يشاهد في جميع الحيوانات حتى في الإنسان نفسه، ولو أعقنا العلاقة بين

المخ وبين النخاع، حتى لا يبقى لإرادة الإنسان سلطان عليه لتم هذا الفعل أيضا

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ٣١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ٣١١