هذا التعريف أو ما يقاربه وأصررت على القول بالظلم، فنحن لا نرى فرقا حقيقيا
بين قولك: إن تبعة هذا الظلم عندك على الوجود؛ أي ليست على أحد بعينه وبين
زعمك أن تبعته عندنا على الله؛ لأن الله تعالى فعل ما فعل حسب ما قضت به
إرادته الأزلية، ولم يكن في الإمكان غير ما كان؛ لأن الإرادة في جانب الله معناها
تخصيص بعض الممكنات الأخرى وهو ما يسمى بالترجيح.
وهذا الترجيح حاصل منذ الأزل أي لا أول لوجوده، فلا يمكن أن يوجد
غيره أما دعوى أنه أزلي وأنه كان يمكن وقوع غيره كما يدعيه بعضهم، فهي مصادمة للبداهة العقلية. وإن قيل: إن الإرادة صالحة لترجيح هذا على ذاك،
ولكن لم يقع الترجيح بالفعل إلا في غير الأزل أو كما يعبر المتكلمون في مثل
ذلك أن لها تعلقين: تعلقا صلوحيا قديما وتعلقا تنجيزيا حادثا [4] إن قيل ذلك، قلنا:
إن اختيار هذه الشيء دون ذلك مع أنهما بالنسبة له تعالى سواء من كل وجه،
هو عين الترجيح بلا مرجح. ولا يصح أن يقال: إن صفة الإرادة هي
المرجحة؛ لأن نسبتها أيضا لأحدهما كنسبتها إلى الآخر تماما. ولو اختلفت النسبة
لكان الترجيح أزليا وإلا لتخلف المعلول عن علته وهو محال. وإن كان المرجح شيئا
غير الإرادة فإما أن يكون قديما أو حادثا، فإن كان قديما لا يمكن تخلف المعلول
عن علته كما قلنا، وإن كان حادثا يحتاج هو لمرجح يرجح وجوده على عدمه،
وذلك يؤدي إلى القول بالتسلسل وهو باطل. وإن لم يكن هذا ولا ذاك بأن كان
المرجح يوجد في المستقبل (وهو غير معقول) فلم كان الترجيح لأجله حادثا ولم
يكن أزليا؟ فلا مفر إذا من القول بأن تعلق الإرادة التنجيزي هو قديم، أما
التعبير عن الإرادة بالمضارع بدل الماضي، فنحو قوله تعالى: {ذو العرش
المجيد * فعال لما يريد} (البروج: 15-16) ، فله شواهد كثيرة في اللغة وفي القرآن الشريف كقوله تعالى: ﴿لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم﴾ (الحجرات: 7) بدل أطاعكم. ويراد به إفادة استمرار الفعل، فمعنى الإرادة:
القضاء الأزلي الذي أوضحنا، وقد قضى تعالى بما قضى، ولا يزال قاضيا به ,
وجميع ما ورد في حقه تعالى من أمثال ما يستعمل في حق البشر: كالرحمة
والغضب والكره ونحوها، له معان في جانبه غير معناه في جانبنا. فنفسر هذه
الألفاظ في كل مقام بما يناسبه وبما يليق بالله تعالى وصفاته، مثلا إذا قيل:
(الله رؤوف بعباده) فمعناه أنه تعالى هو المنعم عليهم بكل خير أو نحو ذلك؛
لأنه جل شأنه منزه عن الانفعالات والاضطرابات العصبية والجولات الفكرية.
فليست رأفته أو غضبه كرأفتنا أو غضبنا، تعالى عن ذلك علوا كبيرا،
وليست أفعاله مسبوقة بتفكر أو تردد أو ما شابه ذلك من صفات المحدثين.
والخلاصة: أن ترجيح بعض الممكنات على بعض حاصل منذ الأزل،
فما كان يمكن أن يحصل غيره إذ لم يسبق بعدم ولم يكن لوجوده أول. فإن سلم
أن فيما حصل ظلم، فلا تبعة فيه على أحد؛ لأنه تعالى هكذا موجود من القدم،
ولابد من إنفاذ ما كان بلا تردد. ومن تفكر فهم، ومن تعمق عرف، ولا أزيد عن
ذلك فسر القضاء أوشك أن يتضح. بل هو للعارفين قد اتضح، إذا فما يجده
المادي من الحرية في جحوده يجده المؤمن في إيمانه، ولكن المؤمن يفوقه في كونه
عرف علة الوجود وما اقتضته، فخلص من التناقض الذي وقع فيه المادي بسبب
زعمه قدم الجواهر الفردة على ما بينا هنا في صدر هذه المقالة وفي مقالتنا
الأخرى في الإلهيات التي سبق نشرها في المنار.
فهذا هو ما أردت بيانه: {وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر ولو شاء
لهداكم أجمعين} (النحل: 9) .
... ... ... ... ... ... ... ... ... ... الدكتور
محمد توفيق صدقي طبيب
... ... ... ... ... ... ... ... بسجن طره
(المنار)
ما كتبه الدكتور في الإرادة والاختيار غير محرر، وقد أطال في ذلك
المتكلمون، وأوردوا فيه ما قيل من أن تعلق الإرادة الإلهية بفعل الشيء