تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تنقسم (وهي الجواهر الفردة عند الفلاسفة والمتكلمين) يقال في النقط الهندسية

عند الرياضيين.

ثم تفكر ثالثا في وجود هذه الذرات منذ الأزل على اعتقادك؛ مع قولك

بحركاتها التي ليس لها أول، وخذ حركة منها لنتكلم عليها. أليس قبل هذه الحركة

حركات لا عدد لها لأنها أزلية كما تقول؟ وإذا كان الأمر كذلك، فكيف أمكن

انقضاؤها جميعا، وكيف جاز أن تأتي تلك الذرة بحركات لا عدد لها قبل كل حركة؟

أليس ذلك قولا بأن ما لا يعد أمكن عده؟ وما لا يمكن الإتيان عليه قد أمكن الإتيان

به؟ أول ليس هذا تناقضا بينا؟

ومثل الحركات الأزلية لحظات الزمان، فإنه يستحيل وجودها منذ الأزل،

فهل يمكنك بعد ذلك أن تقول بأنك تفهم الأزل أو تفهم الزمان؟ إلى هنا قد تبين بأجلى

برهان أن المادي لا يفهم كنه المادة ولا مكانها ولا زمانها.

إنه كلما خرج من تناقض سقط في آخر. فهل يفهم شيئا من خواص المادة

وقواها؟ إن للمادة قوى كثيرة عرفنا بعضها كالكهربائية والمغناطيسية

والجاذبية العامة بين الأرض والأجسام التي عليها وبين الأجرام الكونية بعضها مع

بعض، أليست كل هذه ألفاظا لا نعرف لها معنى حقيقيا؟ وما مثلنا في ذلك

إلا كمثل الذي (فسر الماء بعد الجهد بالماء) .

خذ مثلا قوة الجاذبية التي بين الشمس وأحد السيارات كالأرض أو كزحل،

فما هو هذا الشيء الذي به الجذب؟ هل هو مادة أو غير مادة؟ فإن كان مادة فكيف

يحصل به الجذب وإن كان غير مادة فهل يمكننا تصوره؟ وكيف يحصل الجذب بين

الحديد والمغناطيس؟ وما الجواب الشافي عن مثل هذه الأسئلة؟

فإذا كان الماديون لا يفهمون المادة ولا زمانها ولا مكانها ولا قواها؛ فأي شيء

يفهمون أو يدركون؟ إنهم لا يعلمون إلا ظاهرا من الحياة الدنيا، وهم عن الحقائق

غافلون.

وإذا لم يكن عدم إدراك الشيء عقبة في سبيل التسليم بوجوده، فلماذا ينكرون

وجود الله تعالى؟ وأي فرق بين المادي والإلهي في الحرية العقلية؟ الإلهي يعتقد

بوجود أشياء لا يدرك عقله كنهها؛ لأنه قام عنده عليها الدليل. وكذلك المادي يعتقد

ولا يمكنه أن يدرك كنه ما يعتقد، فهل يكون أحدهما أكثر تمتعا بالحرية العقلية من

الآخر؟ كلا، فبماذا يفتخرون؟

إن عدم إدراك الشيء ليس دليلا صحيحا في نظر العقل على عدم وجوده،

وإلا لأمكننا أن نقول: إننا لا ندرك شيئا من كنه هذا العالم المحسوس، فهو غير

موجود. وحينئذ نقع في السفسطة. ومن بلغت به درجة المكابرة إلى هذا الحد،

فلا يصح خطابه ولا التكلم معه لأنه ليس بعاقل.

البرهان الصحيح على وجود الشيء أو عدمه (إن لم يكن محسوسا) هو ما بني

بناء منطقيا صحيحا، تنتهي مقدماته إلى البديهيات العقلية. وأشهر هذه

البديهيات وأكثرها ورودا في الدلائل: أن الضدين لا يجتمعان وقد يرتفعان،

والنقيضين لا يجتمعان ولا يرتفعان، مثال الضدين: البياض والسواد، ومثال

النقيضين: البياض وعدمه، أو النفي والإثبات في كل شيء. فكل ما أدى القول به

إلى ما يخالف البديهيات كان باطلا واستحال وجوده، وكل ما لم يؤد إلى ذلك كان

جائزا وأمكن وجوده، وإن لم يكن للعقل إدراك كنهه ومعرفة كيفية وجوده، ويجب

الإيمان به إن قام عليه الدليل وإلا بقي في حيز الإمكان.

هذه المسألة هي أصل الأصول ومرجع البشر قاطبة في جميع علومهم

الصحيحة، ومن لم يفهمها ولم يمكنه أن يميز بين ما يصادم البداهة وبين ما لا يمكن

إدراك كنهه؛ فهو غير أهل لأن يتلقى شيئا من العلوم العقلية. ولا يمكنه أن يعرف

الحق من الباطل ولا أن يفرق بين الخطأ والصواب.

وإذا كان عدم أدرك كنه الشيء ليس موجبا لإنكاره كما قررنا، فمن باب أولى

تكون مخالفة الشيء لما اعتدناه لا تقتضي عدم تصديقه. فمن أنكر خوارق العادات

(المعجزات) التي يدعيها أهل الملل لأنبيائهم، وجزم بعدم إمكان وقوعها لذلك السبب

(أي غرابتها واستبعادها) فهو نحيف العقل جاهل؛ إذ ليس كل غريب

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ٣١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ٣١٠