الانسياق الطبيعي الحيواني، فقال تعالى: {وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من
الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون} (النحل: 68) وإذا صح إطلاق
الوحي على هذا الانسياق الفطري الحيواني صح من باب أولى إطلاقه على نتائج
العقل الإنساني؛ لأن الله خالق كل شيء والباعث على كل شيء، فيكون لا
تنافي بين قول متشرعي أوربا: إن الشرائع أصلها العقل. وبين قول علماء الإسلام:
إن أصلها الوحي. إذا لم يقبل العلماء هذا الحل الموافق للكتاب والعلم، فقد
تعرضوا لشبه لا مخلص لهم منها وهي:
(أولا) لو كان أصل الشرائع الوحي بمعناه السامي؛ لنزلت الشرائع الأولى
حاصلة على العدالة بمعناها الخاص، والمشاهد بين حوادث التاريخ أن الشرائع
بدأت مناسبة لعقل الإنسان وسذاجته ونقص أخلاقه. والله يتنزه عن ذلك.
(ثانيا) في الأرض أمم كثيرة في أدنى درجات التوحش، ولديها شرائع
على حسب مداركها مطابقة في أصولها الأولية لشرائع الجمعيات البشرية الأولى،
فلماذا نحكم بأن شرائع المتوحشين العصريين هي من تلقاء أنفسهم، وتلك الشرائع
هي من الوحي، مع تشابهها في النقص والسذاجة؟) اه.
افتجر فريد أفندي لعلمائنا قولا لم يقولوه ولا قاله أهل مذهب منهم، وأورد
عليه مطاعن عزاها إلى الأوربيين؛ ليدافع بكشف شبهتها عن الإسلام والمسلمين،
فكان دفاعه - لو صح ما يسبق إلى الأذهان منه - من قبيل تلك المطاعن أو أشد منها.
الظاهر من عبارة فريد أفندي الذي يفهمه منها القارئ؛ هو أن الوحي أصل
كل شريعة وجدت في البشر، فكانت قانونا يحكم بها الناس فيما يختلفون فيه، فعلى
هذا يكون مما يعتقد المسلمون أن الأحكام التي كانت عليها العرب في الجاهلية
وكذا غير العرب من الوثنيين - كلها مبنية على أصل الوحي الإلهي، وإنه لقول
ينقضه الإسلام بكتابه وسنته ومذاهب أئمته نقضا، وإنما يقول المسلمون كافة: إن
الشرائع التي جاء بها الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام - هي من وحي الله -
تعالى- لا من مخترعات عقولهم، كما قال تعالى: {كان الناس أمة واحدة فبعث الله
النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا
فيه} (البقرة: 213) .
فإذا كان فريد أفندي يريد من عبارته ما يدل عليه ظاهرها وهو أن المسلمين
يقولون: إن أصول جميع الشرائع كان بوحي من الله، حتى شرائع الوثنيين
المنحطين في الوثنية، أو الذين ارتقوا فيها كقدماء المصريين والكلدانيين
والرومانيين، ثم يقول: إن علماء أوروبا يوجهون إلينا تلك المطاعن؛ لأجل ذلك.
فقد أعلمناه أن هذا باطل، ونزيد على ذلك أن الأوربيين لا ينسبون إلينا هذا الاعتقاد،
ولا يطعنون علينا به. ولو طعنوا لما دفع قوله طعنهم؛ لأن الوحي لا يصح إطلاقه
على نتائج العقول وما تولده الأفكار، وإن صح إطلاقه على الإلهام الفطري.
وإن أراد بأصل الشرائع ما يعتقد المسلمون أن النبيين المرسلين جاءوا به عن
الله - تعالى - ودعوا الناس إليه على أنه وحي من الله، لا من عند أنفسهم، فقد
صدق في حكاية اعتقادنا، وأن علماء أوربا يطعنون علينا بهذا الاعتقاد، بل لا
يطعنون علينا إلا باعتقادنا أن أصل شريعتنا نفسها وحي من الله دون شريعة اليهود
مثلا، وحينئذ يكون دفعه لهذه المطاعن بما فسر به الوحي هو عين الهدم لأصل
الإسلام، والتكذيب للرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأن ما نطق به القرآن، وانعقد
عليه الإجماع، هو أن الرسول صلى الله عليه وسلم ما جاء بهذه الشريعة من عنده،
وليست من نتائج عقله وفكره، وإنما يقول بهذا من ينكرون الأديان، ويدعون أن
الأنبياء فلاسفة أخلاق وآداب واجتماع، أسندوا فلسفتهم إلى الوحي الإلهي؛ ليقبلها
الناس، ولهذا رجحنا أن الاحتمال الأول هو مراد فريد أفندي، وعليه يكون مخطئا
في عزوه إلى المسلمين ما لا يعتقدون، وإلى الإفرنج ما لا يقولون (لأن ما بني على