الفاسد فاسد) ، وقصر في سكوته عن بيان شبهتهم على شريعتنا، وعن دفع هذه
الشبهة، ومما يؤيد الترجيح تصريحه: بأن للوحي معنى خاصا غير ما فسر به أصل
الشرائع، وقد عبر عن هذه الشرائع بالناقصة. وإنما ذكرنا الاحتمال الثاني لما
علمت. ولكن انظر ما يأتي:
قال فريد أفندي: (فإن قال قائل: قد ثبت شرعا أن أول البشر آدم - عليه
السلام - وهو نبي بالإجماع، وقد ذكر الله أنه أوحى إليه وعلمه، فيكون أصل الشرائع الوحي بالمعنى الخاص. نقول: إن صح إيحاء الله لآدم كان بالمعنى
الخاص، ولم يكن بمعنى الإلهام والنفث في الروع من طريق مقتضيات الفطرة
الإنسانية، فإن الله لم يذكر أنه أوحي إليه شريعة، بل لم يكن الحال يقتضي ذلك في
ذلك العهد؛ لقلة الناس وقربهم من حالة الفطرة) ... إلخ.
ونقول: إنه بعد أن ذكر أن آدم كان نبيا بالإجماع، ما كان له أن يرتاب في
كون وحي الله له - وقد اعترف بأنه ثابت من الوحي الخاص، لا من قبيل الوحي
إلى النحل، فهذه سقطة كبيرة. وقوله: إن الحال في عهده لم تكن تقتضي شرعا لما
ذكره ظاهر البطلان؛ فإن القليلين يتنازعون ويتخاصمون كالكثيرين،
فيحتاجون إلى من يحكم بينهم بالحق والعدل، وقد ثبت أن أحد أبناء آدم قتل أخاه،
ولم يمنعه القرب من الفطرة عن ذلك، فماذا نقول فيما دون القتل من أنواع الخصام؟
ثم ما يدرينا أن آدم عاش عمرا طويلا كثر الناس فيه، فإن طبيعة الأرض كانت في
عهده غير طبيعتها الآن فيما يظهر، بل ثبت بالوحي أن نوحا عاش نحو ألف سنة؛
لأن طبيعة الأرض قبل الطوفان كانت غيرها بعده وأمزجة الناس كانت قابلة لذلك
على ما هو المرجح عندنا، والله أعلم بالصواب.
ثم ختم فريد أفندي درسه بأربع مسائل، قال: إنه يمكن جعلها نتائج له وهي:
(1) أن العدالة في الأمة تكون مناسبة لعادتها وأخلاقها.
و (2) أن الأمم تتكون على النظام الذي تدرك به نفسها.
و (3) أن كل ترق أخلاقي يتبعه ترق تشريعي.
و (4) أن الشريعة لا تصل إلى أوج كمالها في أمة إلا إذا كانت المساواة بين
الأفراد بالغة حدها الأقصى؛ أي: إذا ترقت فيها الأخلاق لدرجة أن الرجل منها
يعتبر غيره نظيره، وهذه هي الحالة الوحيدة التي يتخلص فيها العقل من أوهامه
الاجتماعية، فيواجه الطبيعة الحقة للحوادث، ويترك لها زمامه لتقوده إلى العدالة
المحضة.
(قال) : (من هنا يرى الرائي كيف أن كل انقلاب حدث في أخلاق أمة
يتأدى بطبعه إلى انقلاب في شريعتها، ويدرك تبعا لهذا فساد الأحكام، وبعدها عن
العدالة في بعض الأمم المتدينة التي تقرر مبدأ التمايز في أفراد الجمعية، فتهب
لبعضهم حقوقا تسلبها عن الآخرين باعتبارات دينية) .
(هنا نستلفت نظر القارئ إلى أمر خطير يدل في إجماله على أن الشريعة
الإسلامية هي أعدل الشرائع، وأرقاها بحكم أكبر أصل من أصول فلسفة التشريع،
وذلك أن هذه الفلسفة تقرر بأن الشريعة لا تصل إلى أوج الكمال إلا إذا كانت
المساواة تامة بين الأفراد. وهذه الشريعة الإسلامية مبناها ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾ (الحجرات: 10) ، فلم تقرر في أصولها أدنى امتياز لأي طائفة، فتكون بهذا
الدليل الإجمالي أعدل الشرائع. وسنرى في التفصيل العجب العجاب) اه كلام
فريد أفندي.
أقول: لو أحفى المنتقد لهذه الجملة، لأمكنه أن يكتب في انتقادها عدة أوراق،
ونكتفي بذكر المهم عندنا من ذلك، وهو ما يتعلق بالشريعة الإسلامية.
إنه جعل كمال الشريعة تابعا لكمال الناس في أنفسهم، ولما نزلت الشريعة
الإسلامية لم يكن الناس الذين أنزلت لأجل الحكم بها بينهم أولا في ذلك الأوج من
الارتقاء، فكيف بنى تفضيلها على هذا الأصل؟
ثم من هي الأمة المتدينة التي وصفها بفساد الأحكام وبعدها عن العدالة؛
لتقريرها مبدأ التمايز بين الأفراد بالدين؟ اليهود ليس لهم حكومة. والنصارى
جعلوا أحكامهم مبنية على العقل، وشهد هو للأوربيين منهم بالارتقاء العظيم. فهل