ويطلق الشارع في كتب المسلمين على الله - تعالى - لأنه واضع الشرع، وعلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه مبينه عن الله - تعالى - ولم يعرف إلا
منه. نعم يصح استعمال هذه الألفاظ في غير هذه المعاني لغة لا سيما لفظ
التشريع فإنه يستعمل عند علماء الفنون العربية اسما لنوع من محسنات البديع.
ولكن الموضوع ليس لغويا، وإنما الكلام في الشرع الإسلامي، فينبغي فيه اتباع
اصطلاح أهله المأخوذ من القرآن إلا أن يخرج المتكلم عن صراطهم، ويجعل
الشرع من وضع البشر.
قال فريد أفندي في الأئمة الذين تقدم ذكرهم: فظلوا يشتغلون بأمر التشريع
والتقنين، ويعقدون لذلك الدروس الحافلة حتى جاء القرن الثالث، وكان قد طرأ
ضعف في أمر الحكومة انتقلت به إلى شكل حكومة مطلقة مستبدة بعد أن كانت
شورية دستورية. فاستحال أمر المتشرعين الإسلاميين إلى حفظة أقوال المتقدمين، وبطل الاجتهاد؛ لعدم نبوغ العلماء الضليعين، وأصبح رجال العلم تبعا لرجال السياسة في الأهواء والميول، فتوالى الضعف على هيئتهم شيئا فشيئا، حتى تولاهم العجز بأخص معانيه، فاصطلحوا على عدد من الكتب يقرؤونها، ويتفهمون
عباراتها بدون نقد ولا محاكمة، وصار هذا معنى الدين والتمسك بالسنة في نظرهم.
أقول: يفهم من قوله السابق (ثم لما اتسع نطاق العمران) ... إلخ، وقوله هذا
أن تدوين الشريعة - أو التشريع على رأيه - قد كمل في وقت اتساع العمران قبل
تحول الحكومة من الشورى إلى الاستبداد. ونحن نعلم أنه لم يدرك حكومة الشورى
من أولئك الفقهاء أوالمشرعين على رأيه إلا سعيد بن المسيب؛ لأنه تابعي ولد في
خلافة عمر وهو لم يدون شيئا، والباقون كانوا في زمن بني أمية وبني العباس
وحكوماتهما استبدادية بلا نزاع على أن العمران كان في زمنهما أكثر نموا.
ثم إن علماء القرن الثالث لم يكونوا كما ذكر، بل ولا القرن الرابع ولا القرن
الخامس، فالفقه ما اتسع نطاقه إلا في هذه القرون، وإن كان الفضل للمتقدم، ولعلنا
نبين ذلك إن مارانا فيه ممار.
ثم قال فريد أفندي: (نحن في هذا الدرس سنعمل على فهم ما هي الشريعة
في الاصطلاح الاجتماعي، وكيف تكونت الشرائع في مدى التاريخ؟ وكيف ترقت
أصولها حتى وصلت إلى أرقى ما وصلت إليه اليوم؟ وكيف تكونت الشريعة
الإسلامية القرآنية؟ وما مكانها من بين سائر الشرائع؟ وما معنى كونها خاتمة
الشرائع؟ وماذا هو الاجتهاد؟ وكيف حصل الاستنباط؟ إلخ، ولنا في كل مبحث
من هذه المباحث كلام في فلسفة الموضوع الذي نتكلم عليه، وآخر ما انتهى الرأي
إليه، وتطبيق ذلك على روح القرآن، وإظهار إعجاز الشريعة الإسلامية من هذه
الوجهات بأصرح بيان) اه.
ونقول: هذه بضعة وعود منصوصة، وأشار برمز (إلخ) إلى وعود
أخرى وبنى على الوعود وعودا ولم يف بما وعد؛ إذ لم يكن باقي الدرس إلا كلاما في العدل يتلوه كلام في معنى كون أصل الشرائع من الوحي، وإيراد
اعتراضين على ذلك غير واردين، والجواب عنهما بما لا يدفعهما. وكلام في
بناء القوانين على الأخلاق، وقد ذكرتنا هذه الوعود بقول الأستاذ الإمام - رحمه
الله تعالى - في كتابة فريد أفندي: إنها (مقدمات ووعود) .
عرف العدل بأنه ما أدى إليه العقل من الأحكام وهذا غير صحيح؛ لأن
الأحكام التي وصل إليها الناس بعقولهم: منها ما هو عادل، ومنها ما هو جائر.
والحاكمون بها منهم العادل ومنهم الظالم، فالعدل أمر آخر لا محل للكلام فيه هنا
ولم نذكره؛ لأنه مقصود بالذات. وإنما ذكرنا لأنه جاء عقبه بما يأتي:
(هنا يلزمنا أن ننبه إلى موضوع خطير، وهو أن متشرعي أوربا عامة
يعيبون علماءنا في اعتقادهم بأن أصل الشرائع الوحي، ولهم في ذلك علينا مطاعن
في غاية الصرامة. ونحن هنا لا مناص لنا من حل هذه الشبهة، فنقول: القرآن
الكريم توسع في معنى الوحي فلم يقصره على النبيين، بل أطلقه على أدنى درجات