تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الروسية في حيرة واضطراب في مثل هذه الظروف.

ثم إن العضو الذي لا يعرف اللغة الروسية لا يكون على بصيرة في توقيعه

على الأوراق الرسمية التي ترد إلى المحكمة من المحاكم الأخرى الكبيرة. إذ هو

جاهل بما في تلك الأوراق من أقسام القوانين، وبنودها التي بنيت عليها أحكام

النصب والعزل وغيرهما. فيكون مثل هذا العضو، كمثل آلة صماء، بيد من

بعثوا بتلك الأوراق من الموظفين الروسيين.

لو كان الأئمة أبو يوسف ومحمد وزفر أصحاب الإمام أبي حنيفة في وظيفة

القضاء في محكمتنا الشرعية، لنابهم أيضا ما ينوب كل يوم قضاتنا الجاهلين باللغة

الروسية، وقوانين الحكومة من المشاكل والمصاعب.

أيرضيكم أن يكون القضاة في محكمة هي محط آمال أربعة ملايين من

المسلمين - آلات صماء تديرها أيدي الآخرين كيفما شاؤوا، أم تتمنون أن يكونوا

من أهل البصر بأمورهم، يذبون عن مصالح قومهم بقوة جنان، وثبات جأش؟

أيروقكم أن يوقعوا على كل ورقة مهما كانت محتوياتها، أم تحبون أن يكونوا

من أهل المقدرة على المناقشة في كل الأوراق التي يرتابون في أمرها؟ بأن يقولوا

مثلا: هذا الحكم مبني على كذا من المادة القانونية، وهي قد نسخت في كذا من

الزمن. فبناء الحكم على تلك المادة لا يجوز، بل ينبغي أن يبنى على مادة كذا،

وما شابه ذلك من المناقشات التي لا يستطيعها إلا من برز في اللغة الروسية، وقتل

القوانين الوضعية علما وفهما.

ولسائل أن يسألني هنا: هل يمكننا أن نربي أناسا يكونون مجتهدين في العلوم

الإسلامية، وبارعين في علم الحقوق الوضعية جميعا؟

فأجيب عن هذا السؤال بجوابين متناقضين: إذا أجلت طرفي في ما عليه

علماؤنا الذين ألقي إليهم زمام تربية الأمة، وترقية شؤونها من الجمود والغفلة

وسعيهم لعرقلة المصلحين، ودوامهم على بث الأفكار المناقضة لمصالح الأمة

الحاضرة والمستقبلة وجهلهم بالمرة لأسرار الحياة وتنازع البقاء وعلم الاجتماع

البشري. أجبت عن السؤال السابق قائلا: إن هذا محال أي محال. وأما إذا فكرت

في استعداد قومنا القوي، وتفاني بعض شبابنا في طلب العلم باحتمال المشاق

الجمة، وجود أغنيائنا بأنفس أموالهم في سبيل الخيرات والمشروعات النافعة.

أجبت عن ذلك السؤال قائلا: إن هذا ممكن أي ممكن. ولنا رأي في كيفية

الوصول إلى هذا المقصد الأقصى، ربما شرحناه في المستقبل إن شاء الله.

الكلام على المادة السادسة

يقال: إن ما جاء في هذه المادة من المطالب مطمح نظر كثير من

الأقوام الآخرين القاطنين في البلاد الروسية. لعل أولئك الأ قوام الذين هم يفوقوننا في

كل الشؤون الحيوية، ينالون هذه المقاصد قبلنا.

وأما نحن فلسنا الآن على استعداد لطلب تلك المطالب السياسية العظيمة

بالانفراد، وما علينا الآن إلا أن نتهيأ (للاصطياد في الماء العكر) . (هذه الرسالة

كتبت منذ سنتين؛ إذ كان مسلمو روسيا هادئين وادعين غائبين في سباتهم العميق،

انتقادا على ما أتى في اللائحتين اللتين وضعهما علماء مدينتي أورنبورغ وسعيد،

وبعثوا بهما إلى مؤلف الرسالة يسألونه إبداء رأيه فيهما) .

وأما حرية المناظرة بخصوصها فأقول فيها: إن حرية المناظرة تنفع المسلمين

نفعا عظيما، وهذا لا ريب فيه. غير أن المناظرة لها أصول وشروط، لا تأتي

المناظرة بالفائدة المطلوبة إلا بها. وما شروطها إلا كون المتصدي للمناظرة يكون

على أهبة تامة، ومطالعا على ما بيد خصمه من الحجج وقوتها.

ليست مقاومة الخصوم المتسلحين بالعلوم الحديثة بالنظريات المسطورة، في

المواقف والمقاصد والطوالع والمطالع والتمهيد والتجريد، إلا ضربا من التهور

والتهوس.

ولا يخفى على الباحث المنصف أن الكتب المذكورة تحتوي على كثير من

الغلطات الفلسفية والتاريخية الناشئة من خطأ المترجمين اللاتينيين، واليهود الذين

ترجموا فلسفة اليونان. وتلك الغلطات تكون عونا لخصومنا علينا لا محالة.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ١٥٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ١٥٧