الإسلامية والمسلمين أضرارا مادية جسيمة لكن أضرارهم المعنوية لا يقام لها
وزن أمام الأضرار التي أنتجها شيوع فكرة (انغلاق باب الاجتهاد، وامتناع بلوغ
الأخلاف شأو الأسلاف في الكمال والعلم) بين المسلمين.
لم تتمكن فكرة انغلاق باب الاجتهاد والارتقاء في نفوس المسلمين حتى فترت
الرغبات في العلم، وتقاعد الهمم عن الارتقاء والتقدم، فأنشأوا يتدارسون السفاسف
بدل الفضائل، ويشتغلون بالأوهام اليونانية بدل العلوم الحقيقية. وبالجملة إن الخسائر التي جرتها إلى المسلمين (فكرة انغلاق باب الاجتهاد) ، أكثر وأفظع من
الخسائر التي أتتهم على أيدي (جنكيز) و (هولاكو) و (إيزابلا) ، وأضرابهم
من المتوحشين المفسدين.
ولهذا أعتقد أننا إذا قضينا على الفوضى السائدة في مدارسنا، وأدخلنا فيها
العلوم الحقيقية، وأفرغنا كنانة جهدنا في نشر التربية الإسلامية الصحيحة ظهر فينا
المجتهدون بكثرة إن شاء الله؛ إذ الاجتهاد أمر كسبي مرتبط بالأسباب الظاهرة التي
تنالها الأيدي. ثم إن سنة الارتقاء التي تجري عليها شؤون العوالم كلها بتقدير
العزيز العليم، تقضي أن يكون كل شيء أكمل وأرقى مما قبله.
نرى اليوم الأمم الراقية الحية يبنون كل شؤونهم على تلك السنة
الثابتة، فيسيرون سيرا حثيثا في مدارج الرقي، ومراقي الكمال. أما المسلمون ففشا
بينهم منذ زمن بعيد إنكار سنة الارتقاء، واعتقاد سير العالم إلى التدلي والانحطاط،
فرئموا الضعة والجمود، حتى حقت عليهم كلمة الذل والهوان.
لعل اختتام النبوة أيضا مبني على تلك السنة (سنة الارتقاء) .
كانت الأمم السالفة لنقصان مداركهم، وعدم اكتمالهم في المزايا الإنسانية،
يضلون عن الشرائع التي كانت الأنبياء تبلغها إليهم، ويحيدون عن صراط الله
السوي، بعد مضي أزمنة يسيرة من عهد الأنبياء.
فكان الله - عز وجل - يبعث إليهم من يقوم لهم أود الدين، ويهديهم إلى الحق
المبين من الأنبياء الآخرين. وأما الأمم الذين يأتون بعد نبينا - صلى الله عليه
وسلم -، فيكونون قد ارتقوا في المدارك، واكتملوا في الخواص الإنسانية، حتى
يستطيعوا بذلك حفظ الشريعة المطهرة، ويبلغوها إلى من بعدهم بلا تحريف ولا
تبديل. فلا تبقى حاجة إلى إرسال من يجدد الدين بعد خاتم النبيين فبناء على ما ذكرنا
ينبغي أن يكون المجتهدون وأساطين الإسلام أكثر وأبرع من المجتهدين السالفين،
كلما خطا المجتمع الإنساني خطوة إلى الأمام.
وأما تعلم أعضاء المحكمة الشرعية اللغة الروسية، فما اشترطته لهم الحكومة
قليل جدا في رأيي. بل يتحتم على من يترشحون للعضوية في تلك المحكمة أن
يحضروا دروس علم الحقوق ولو بصفة المستمعين في جامعات الحكومة، بعد أن
يمتحنوا في دروس المدارس البلدية أو مدارس المعلمين. لا يخفى على أهل البصر
أن قوة المحكمة الشرعية، وسمو مكانتها لدى المحاكم التي فوقها، وارتفاع شأنها
في أعين المسلمين التابعين لها، ليست هي كل بنائها الشامخ، وتنوع الأشجار في
الحديقة الحافة بها. بل لا تتحقق تلك الأماني السامية؛ إلا إذا كان أعضاؤها
والقضاة فيها من أهل المقدرة على القيام بواجباتهم حق القيام. ثم إذا تسنى لهم
التعارف برجال الحكومة العظام، يؤمل منهم أن يخدموا المسلمين خدما جليلة.
أشغال المحكمة الشرعية مرتبطة اليوم بسائر المحاكم المدنية أشد الارتباط.
ويزيد هذا الارتباط عاما بعد عام. قد تحدث في المحكمة مشاكل، لا يمكن حلها إلا
بمقابلة أولي الأمر ومحادثتهم. وأحيانا تستفتى المحاكم الكبيرة من قضاة المحكمة
الشرعية في بعض المسائل الفقهية. وكذلك قد يقصد المحكمة أبرع المحامين؛
ليرجعوا إلى القضاة في بعض المهمات.
وتكون كتابات هؤلاء على غاية من الإيجاز والنظام، قلما يفهمها حق الفهم
إلا أهل البصر في الأمور القضائية والشؤون القانونية، فيبقى العضو الجاهل باللغة