تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بمثله في هذا الباب؟ إلخ ما قال.

وذهب فريق آخر إلى أنه لا فضل للورد في جوابه، وإنما الفضل كله فيه

لصاحب المنار. وقد جرت بين أحد الباشوات من هذا الفريق، وأحد المشايخ

الوجهاء من الفريق الأول مراجعة ومحاورة بذلك في حفلة عرس في العاصمة،

وكان بعض الوجهاء فيها موافقا للباشا، وبعضهم موافقا للشيخ.

وذهب فريق ثالث إلى أن صاحب المنار قد أخطأ فيما كتبه إلى اللورد؛ لأنه

لقنه الجواب في السؤال. ورد عليهم بعض الناس بأن صاحب المنار قد أحسن في

ذلك؛ لأنه ورط به اللورد حتى أجابه إلى ما يريد من تبرئة الدين الذي هو الكتاب

والسنة، وهذا هو غرضه من الكتاب. ورد عليهم آخرون بأن ما استدل به اللورد

في جوابه مؤيد بتقاريره، فهو لم يستفد الجواب من السؤال، وإنما جاء به من عند

نفسه كما هو مفهوم من استدلاله.

وقال فريق آخر: إن صاحب المنار قد أخطأ؛ لأنه كان سببا لهذا الكتاب

الذي يميل القلوب إلى اللورد، حتى تراه أهلا للشكر والثناء، ونحن لا نحب أن

نرى منه ما يحببه إلينا، بل نحب أن نرى منه ونسمع عنه، ما يزيد بغضنا فيه

وحنقنا عليه.

وصاح فريق آخر: إن صاحب المنار لا يستحق على هذا العمل إلا القدح

والذم، والسب والشتم، والقدح والتشهير، والتمثيل والتصوير؛ لأنه دافع عن

اللورد الذي هو عدو الوطن والوطنيين، وخصم الإسلام والمسلمين، ولو كان

هؤلاء يقولون ما يعتقدون، وإذا ظهر لهم الحق يذعنون، لوجدوا كثيرين يقولون

لهم: إنكم لمخطئون، فإن المنار ما دافع عن اللورد، بل رد ما يفهم من كلامه بثلاث

مقالات لم يسبقه أحد إلى مثلها، ثم توسل إلى استكتابه ما هو عين المصلحة

للإسلام والمسلمين، وإن لم يوافق أهواء بعض المتحمسين من الوطنيين الذين

يكرهون الحق إذا ظهر على لسان زيد، وينفرون من المصلحة إذا جاءت على يد

عمرو، وهم لا يتبعون إلا شعور الكراهية والنفور، ولا يصيخون إلا لداعي

الإفراط والغرور، وأكثرهم مقلدون لما يقوله أصحاب الصحف الغالون.

أما أصحاب الصحف المصرية؛ فأكثرها لم يقدر هذه المسألة قدرها على

عنايتها دائما بأقل ما يؤثر عن الرجال العظام كلورد كرومر من قول وعمل، حتى

ما لا شأن له في المصالح العامة، كالرياضة والدعوات إلى الطعام أو الشاي. أما

السبب الذي لأجله لم تحفل الجرائد بأمر يعد من أهم موضوعاتها؛ وهو استدراك

اللورد على عبارة في تقريره الرسمي في مسألة مهمة؛ فهو أن جرائد الإفرنج، وما

على شاكلتها من الجرائد العربية لا ترى من مصلحتها التنويه ولا مقتضى ملتها

بالشهادة للدين الإسلامي، أو تبرئته من مناهضة المدنية أو مخالفتها مهما

ارتقت.

وأما جرائد المسلمين التي كان ينتظر منها أن تنوه بذلك وتهتم به، فقد اتفق

أنه ظهر في وقت تحالف فيه بعض أصحابها المشهورين على إسقاط (حزب الشيخ

محمد عبده) ، بالذم والتشهير والقدح والتصوير، وقد افترضوا ما يظنون من

نجاحهم في إيهام الجمهور بأنهم هم الذين كانوا سبب استقالة اللورد، وتغيير إنكلترا

سياستها في مصر تغييرا مرضيا (كما يزعمون) ، ولهذا ترى همهم محصورا في

جعل حسنات ناظر المعارف سعد باشا زغلول سيئات، وفي الطعن بعلومه ومعارفه

وإتقانه للغة الفرنسية، هذا وهو أنبغ رجال وطنهم المحبوب بألسنتهم وأقلامهم،

فكيف يعترفون مع هذا لصاحب المنار بأنه أحسن صنعا، وهو من حزب الشيخ

محمد عبده المحكوم عليه بالإسقاط عندهم؟ أليس المعقول من أصحاب هذا الحكم أن

يحولوا الأمر عن وجهه، ويجعلوا الحسنة سيئة؟ بلى.

على أن جريدة اللواء أظهرت الارتياب في هذه المكاتبة، كأنها كرمت

نفسها أن تعترف بصحتها، ثم لا تقدرها قدرها وصعب عليها أن تعترف للورد أو

لصاحب المنار بمزية، فلم تر مخرجا من ذلك إلا بإظهار الارتياب والشك فيما قيل.

ولكنها جزمت بتكذيب ما نقل عن الشيخ حسونة افتياتا عليه. وجريدة المؤيد نقلت

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ١٣٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ١٣٤