الكاتب: أديب متنكر
-----------------
<span class="footnote">
نقد شرح ديوان أبي تمام
تابع لما في الجزء الأول
(ص104)
أظن دموعها سنن الفريد ... وهي سلكاه من نحر وجيد
(سنن الفريد: وجه العقد) يقال: امض على سننك أي على وجهك , وتنح
عن سنن الجبل أي وجهه , ولا يقصد الشاعر إلى هذا هنا , وإنما قصد إلى
تشبيه قطرات الدموع بحبات العقد الفريد التي عبر عنها بالسنن وهي جمع سنة
كحبر جمع حبرة. والسنة: الحبة من رأس الثوم وهي بيضاء مدملكة ملساء
فيحسن تشبيه حبات العقد بها وإطلاق اسمها عليها. ولا يضر التشبيه خبث رائحة
السنن لأنه لا يلاحظ فيه جميع عوارض المشبه به , وهذا طلع النخل تشبه به
الثنايا ورائحته رائحته.
(ص104)
رآنا مشعري أرق وحزن ... وبغيته لدى الركب الهجود.
(الهجود: من هجد إذا أناخ) : هجد: نام، والركب الهجود النائم , وهو
ما أراده الشاعر فهو يقول: إن الطيف تحامى زيارته لكونه حليف أرق وحزن
والطيف إنما يأوي إلى الركب النائم. وقد ينيخ الركب ولا ينام.
(ص109)
أخو الحرب العوان اذا أدارت ... رحاها بالجنود على الجنود
(العوان: التي قوتل فيها مرة) صوابه: مرتين أي مرة بعد أخرى , وفسر
الشارح العوان أيضا في ص143 كما فسرها به هنا.
(ص 105)
بنصر ابن منصور بن بسام انفرى ... لنا شظف الأيام في عيشة رغد
(انفرى: انصلح) انفرى هنا بمعنى انكشف وتقلص واضمحل وزال.
راجع ما قلناه عن هذه الكلمة في قول الشاعر:
به انكشف عنا الغيابة.. إلخ.
(ص138)
فعلوت هامته فطار فراشها ... بشهاب موت في اليدين مجرد
(الفراش: موقع اللسان في قعر الفم) أراد الشارح أن الفراش مفرد على
وزان كتاب وأن معناه ما ذكره , وليس كذلك فإن شاعرنا أراد بقوله ما يريده أهل
اللغة في قولهم: أطار فراش رأسه , وفراش الرأس بفتح الفاء جمع فراشة بفتحها
أيضا عظام رقيقة تبلغ القحف ويقال لها: فراش الدماغ , والفراش أيضا كل رقيق
من عظم أو حديد.
(ص 139)
نفسوك فالتمسوا مداك فحاولوا ... جبلا يزل صفيحه بالمصعد
(بالمصعد: أي وقت الطلوع) لا معنى لكون وجه الجبل وسطحه يزلق
بوقت الطلوع , وإنما المعنى أن من أراد بلوغ المنزلة التي بلغها الممدوح كان كمن
يحاول الرقي في جبل يزلق سطحه بالمصعد فيه فهو لا يزال في عناء وخيبة
فالمصعد اسم فاعل من أصعد إذا استقبل أرضا أرفع من الأخرى , ونظير قول
شاعرنا قول الآخر: (كما زالت الصفواء بالمتنزه) أي كما يزل النازل على
الصخرة الملساء.
(ص145)
حتى التوى من نقع قسطلها على ... حيطان قسطنطينة إعصار
(النقع: رفع الصوت) القسطل ليس له صوت مرتفع , وإنما المراد بالنقع
هنا الغبار وتكون إضافة النقع إلى القسطل الذي معناه الغبار أيضا من قبيل الإضافة
البيانية.
(ص 148)
وإذا القسي العوج طارت نبلها ... سوم الجراد يشيح حين يطار
(السوم: العلامة) السوم هنا مصدر سامت الطير على الشيء سوما: حامت ,
وهو مفعول مطلق لطارت من غير لفظه يقول: إذا انتثرت النبال وأشبه انتثارها
حومان رجل الجراد الذي هيج فجد في الطيران. وجواب الشطر البيت بعده. ... (ص 151)
لولا أحاديث أبقتها أوائلنا ... من السدى والندى لم يعرف السمر
(السدى: ندى الليل) كما يطلق كل من السدى والندى على ما يسقط في
الليل يطلق أيضا على المعروف والجود , ومنه: أسدى إليه أحسن إليه , والمراد
منهما هنا المعنيان الآخران قطعا ولا يمكن أن يراد بالسدى ندى الليل.
(ص158)
مصفرة محمرة فكأنها ... عصب تيمن في الوغى وتمضر
(العصب: صبغ ينبت في اليمن) العصب: ضرب من برود اليمن ذو
وشي ونقوش , وقد أراد الشاعر أن الربيع أفرغ على الأرض من أزاهيره حللا
ملونة تحاكي تلك البرود اليمنية المسماة بالعصب لا أنها تحاكي الصبغ نفسه.
(ص 158)
بالثامن المتخلف اتسق الهدى ... حتى تخير رشده المتحير
(اتسق: سار على طريقة نظام عام) اتسق واستوسق الأمر أو الهدى مثلا
اجتمع وانتظم واستوى , واتساق القمر اكتماله واستواؤه. وقولهم: وسق البعير أي
ساقه لا يقتضي جواز مجيء اتسق بمعنى سار مطاوعا له.
(ص168)
للمجد مستشرف وللأدب المجفو ... ترب وللندى حلس
(الحلس: الكبير من الناس) نعم هو من جملة معانيه لكن أريد به هنا معنى
آخر. أصل الحلس مسح يبسط في البيت وتجلل به الدابة أو يكون تحت رحلها ثم
استعير لمن يلازم الشيء ويعود نفسه عليه وفي الحديث: كن حلس بيتك أي
ملازما له وهم من أحلاس خيل أي من أصحابها الآلفين لركوبها وفلان ليس من
أحلاسها، فاستعملت استعمال حلف وترب في مثل قولهم زيد حلف فقر وعمرو
ترب أدب , وقرنها بترب يؤيد كون المراد بها ما ذكرناه.
(ص 169)
قالت وعي النساء كالخرس ... وقد يصبن الفصوص في الخلس
(الفصوص: أحداق العيون) نعم، لكن ليس المراد بها هنا هذا المعنى.
أصل الفص حجر الخاتم وتجوزوا فيه فقالوا: أنا آتيك بالأمر من فصه أي أصله
وحقيقته ومخرجه الذي خرج منه , وقالوا أيضا: فلان حزاز الفصوص إذا كان
مصيبا في رأيه وجوابه. وهذا المعنى هو الذي قصد إليه الشاعر. يقول: إن
النساء على عيهن قد يقعن على الصواب ويصبن الرأي عرضا ثم استشهد على
قوله بما قالته المرأة له. فالفصوص في البيت بالنصب مفعول به.
(ص181)
وأقاح منور في بطاح ... هذه في الصباح روض أريض
(البطاح: الصحاري) البطاح جمع بطحاء وهي مسيل واسع فيه دقاق
الحصى كالأبطح والبطحية , والبطاح غير الصحاري فإن الصحراء الأرض
المستوية الواسعة وزاد بعضهم: لا نبات فيها.
(ص183)
لا تكن لي ولن تكون كقوم ... عودهم حين يعجمون رضيض
(يعجمون: يعصرون) العجم أن تعض العود بسنك لتعرف صلابته , ثم
قالوا: عجمت عود فلان أي بلوت أمره وخبرت حاله , وفلان عوده صليب لا
تحيك فيه العواجم أي لا تؤثر فيه الأسنان , وقالوا في ضده: فلان عوده رضيض
فالعجم في البيت متجوز فيه عن الامتحان والاختبار.
(ص214)
يئوب إلى شمائل منه ميث ... قليلات الأماعز والبراق
(الأماعز: الغزلان , والبراق: الحملان من الضأن) فاعل يئوب يرجع
إلى السلام الذي أرسله الشاعر إلى الممدوح يعني أن سلامه يرجع الى شمائل
ممدوحه التي وصفها بقوله: ميث أي لينة , وأصل الميث وصف للأرض يقال:
أرض ميثاء وأراض ميث. ولما وصف الشاعر شمائل ممدوحه بصفة الأرض
الحسنة ناسب أن ينفي عنها صفة الأرض الرديئة فقال: قليلات الأماعز والبراق.
الأول جمع أمعز وهي الأرض الصلبة الكثيرة الحصى , والثاني جمع برقة وهي
الأرض الغليظة ذات الحجارة والطين والرمل ومعنى القلة هنا العدم كما لا يخفى
فهو يقول: إن شمائل الممدوح وطباعه لينة وليست بخشنة ولا جافية.
(ص214)
وتخط بزته فربت خلة ... في درج ثوب اللابس المتنوق
(الخلة: الشق) الخلة هنا الحاجة والفقر والخصاصة أي يتنوق المرء في
لباسه ويبالغ في تزيينها ويكون تحتها حاجة وعدم ولا كذلك الممدوح.
(ص228)
ضنك إذا خرست أبطاله نطقت ... فيه الصوارم والخطية الذبل
(الذبل: الصلبة) مادة الذبول تفيد معنى الدقة والضمور كقولهم: ذبل
الفرس: ضمر وهزل بل ربما كان من معناها أيضا اللين والفتور كقولهم: ذبل
النبات ذوى ولان , وتذبل في مشيه تفتر فيه , ثم أجروا المادة على الرماح تجوزا
فقالوا: قنا ذابل: أي دقيق لاصق بالليط , والليط جمع ليطة القشرة التي تكون
على القصب , وربما كان اللين مرادا أيضا في ذلك الاستعمال المجازي لأن الرمح
إذا لم يكن لينا لدنا تقصف ولم يصلح للطعن فالدقة واللين هما المفهومان من تلك
المادة والمقصودان من ذبول الرماح. وإذا أريد وصف الرماح بالصلابة قيل كما
قال الحماسي:
ولنا قناة من ردينة صدقة ... زوراء حاملها كذلك أزور
فقوله: صدقة أي صلبة مستوية لا خائرة هشة.
((يتبع بمقال تال))
-----------------
<span class="footnote">
</span></span>