والعثماني لا يتجرأ على الحديث بذلك في بلاده؛ وإن كان في كسر بيته قد أغلقت
دونه الأبواب، وأرخيت عليها السجوف والأستار؛ لأنه أعلم الناس بالمثل القائل:
للحيطان آذان، وهو لا يأمن على نفسه الأهل والجيران؛ لأن الاستبداد قد أفسد
الناس أي إفساد، حتى صار الرجل الحر يفر من أخيه، وأمه وأبيه، وفصيلته التي
تؤويه، وإنما يجهر بذلك في أوربا ومصر، وكل بلاد ليس فيها لأبناء جنسه
سلطان ولا حكم.
فأعظم فائدة استفادها أهل الشرق من الأوربيين معرفة ما يجب أن تكون عليه
الحكومة واصطباغ نفوسهم بها، حتى اندفعوا إلى استبدال الحكم المقيد بالشورى
والشريعة بالحكم المطلق الموكول إلى إدارة الأفراد، فمنهم من نال أمله على وجه
الكمال كاليابان، ومنهم من بدأ بذلك كإيران، ومنهم من يجاهد في سبيل ذلك بالقلم
واللسان، كمصر وتركيا.
ليست هذه الفائدة بالشيء التافه، ولا بالأمر اليسير، ولا هي بالمنفعة التي
تقرن بالنظائر، بل هذه مرتبة البشرية العليا، في هذه الحياة الدنيا، فإن القوم الذين
يرضون أن يستبد بهم حاكم؛ يقبل فيهم ما يشاء، ويحكم بما يريد، ينبغي أن يعدوا
من الدواب الراعية، والأنعام السائمة إذن هذه الفائدة هي عبارة عن الارتقاء من
حضيض البهيمية إلى أفق الإنسانية، فحسب الشرق إن استفاد هذه الفائدة وعرف
قيمتها.
لا تقل أيها المسلم: إن هذا الحكم أصل من أصول ديننا، فنحن قد استفدناه من
الكتاب المبين، ومن سيرة الخلفاء الراشدين لا معاشرة الأوربيين، والوقوف على
حال الغربيين، فإنه لولا الاعتبار بحال هؤلاء الناس؛ لما فكرت أنت وأمثالك
بأن هذا من الإسلام، ولكان أسبق الناس إلى الدعوة إلى إقامة هذا الركن علماء
الدين، في الآستانة، وفي مصر، ومراكش، وهم هم الذين لا يزال أكثرهم يؤيد
حكومة الأفراد الاستبدادية، ويعد من أكبر أعوانها، ولما كان أكثر طلاب حكم
الشورى المقيد هم الذين عرفوا أوربا والأوربيين، وقد سبقهم الوثنيون إلى ذلك.
ألم تر إلى بلاد مراكش الجاهلة بحال الأوربيين كيف يتخبط في ظلمات
استبدادها؟ ولا تسمع من أحد كلمة شورى؛ مع أن أهلها من أكثر الناس تلاوة
لسورة الشورى، ولغيرها من السور التي شرع فيها الأمر بالمشاورة، وفوض
حكم السياسة إلى جماعة أولي الأمر والرأي.
فإن قلت: إن أول من نبه المصريين إلى حقوق الأمة على الحاكم، وإلى
فضل حكومة الجمهورية، والملكية المقيدة على الحكومة الاستبدادية، شيخان من
شيوخ الدين وإمامان من أئمة الإسلام، وهما: السيد جمال الدين والشيخ محمد
عبده، وإنك أنت قد نشرت في (المنار) مقالات للسيد مقالات في (الحكومة
الاستبدادية) ، كانت مما نشره هو في بعض الجرائد على عهد إسماعيل باشا، وهي
تحرك الجماد، وصرحت في ترجمة الشيخ بأنه كان يدعو إلى ذلك، وأنه قال، بل
كتب عن نفسه هذه الكلمة الجليلة: دعونا إلى هذا والاستبداد في عنفوانه، والظلم
قابض على صولجانه، ويد الظالم من حديد، والناس كلهم عبيد له أي عبيد، وقد
كان مضى على المصرين أكثر من نصف قرن، وهم يتدارسون علوم أوربا،
ويشتركون مع الأوربيين في كثير من الأعمال، ويتزاحمون معهم بالمناكب،
ويتبادلون بالأموال ولم يخطر في بالهم أن يقلدوهم بإصلاح الحكومة والسيطرة
عليها.
إن قلت هذا؛ محتجا على أننا نحن المسلمين، قد اقتبسنا فائدة مقاومة
الاستبداد من الدين، فإن لي أن أجيبك عن ذلك؛ بأنني لا أنكر أن ديننا يفيدنا ذلك
كما رأيت في مقدمة هذا المقال. كيف؟ وإنني لم أطلع على كتابة لأحد في ذلك
أوسع مما كتبته في (المنار) ، وإنني مطلع على سيرة هذين الإمامين الحكيمين
وعالم بأنهما كانا قد عاهدا توفيق باشا؛ قبل أن يصير الأمر إليه على نصره
وعاهدهما هو على إنشاء مجلس نيابي، وعلى تعميم التعليم في القطر المصري
ومع هذا كله أقول: إننا لولا اختلاطنا بالأوربيين؛ لما تنبهنا من حيث نحن أمة أو