تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

سنن الإسلام في حكمه قولا؛ إذ قال خطيبهم عبد الملك بن مروان على المنبر: من

قال لي اتق الله ضربت عنقه. فتحولت الحكومة إلى استبدادية، كانت على حسب

سيرة الحاكم، إلا على الملقب بالخليفة أو الملك: فتارة يكون عادلا كعمر بن عبد

العزيز، وتارة يكون جائرا، وتارة متوسطا. وكان معظم ظلمهم وظلم من بعدهم

لمن يأنسون منه سخطا من سلطتهم أو مقاومة لها، وسائر الناس في راحة وأمان،

يتقدم به العلم ويزهو العمران، حتى استدار الزمان، ورجع الشرق إلى نحو ما

عليه كان.

أخبار المماليك يقل في القارئين من لا يعرفها، وسيرة إسماعيل باشا لم يمت

جميع من ذاقوا مرارتها، ومفاسد بايات تونس مأثورة، ومنكرات دايات الجزائر

غير منكورة، كان من هؤلاء من يعاقب الناس الذين يحل عليهم غضبه، ولو لحفظ

عرضهم من فسقه بإحدى ثلاث: الخازوق، أو ترديته من أعلى جبل قسنطينة، أو

إغراء كلاب عاقرة به تنهشه وتمزق لحمه حتى يموت شر ميته. كان هذا قبيل

إغارة فرنسا على الجزائر. ولا يجهل أحد من قراء الصحف حال بقية الممالك التي

لما تؤثر فيها حالة الأوربيين، ولم تحملها على تغيير سلطتها الاستبدادية، إما

لجهلها بها لعدم الاختلاط بهم، واقتباس علومهم، والوقوف على حال حكوماتهم

كمراكش، وإما لأن السلطة الاستبدادية فيها لا تزال أقوى وأقدر على منع العلم عن

الجاهلين، مع مطاردة طلاب الإصلاح من العارفين، كما هو شأن الحكومة

العثمانية.

إن محاربة الآستانة للعلم والدين، ومطاردتها للعقلاء والعارفين، لفوق ما

يتخيل المتخيلون؛ لأنها أضعاف ما يروي الراوون، إن أكثر المطبوعات العربية

الجديدة التي تعد في مصر من آيات الارتقاء التي استعدت أو تستعد بها الأمة لأن

تحكم نفسها بنفسها هي في الولايات العثمانية من أشد الجنايات، وأعظم الجرائم

تضطرب لذكرها القلوب، وترتعد الفرائص، حتى من أولئك الذين يسفكون

الدماء بالأسواق في وقت الضحى؛ لأن سافك الدم كثيرا ما يسلم بالرشوة أو المحاباة،

وإذا حوكم لا تتبرأ منه المحاماة، وإذا حكم عليه يدركه العفو في أحد الأعياد بعد عشر

سنين أو أقل، أما من يتهم باقتناء كتاب مما يعد منبها للأفكار أو بطلبه من مصر، فلا يتجرأ أحد على الدفاع عنه، ولا على الارتشاء منه، ولا يؤخذ منه عدل، ولا تنفعه شفاعة.

كم من عالم عامل، ومن غيور فاضل، يئن في ظلمات السجن لا يتجرأ أحد

على ذكره ولا السؤال عنه، وكم من عالم وغيور أخرج من داره، ونفي إلى حيث

لا يسمع أهله وولده بذكره، وما كنت عازما على الإشارة إلى مثل هذا؛ لولا أن

ألقي إلي قبل هذه الكتابة رقيم من الحجاز فيه أن أمير مكة جلد بعض أهل العلم

مائة جلدة على مشهد من الناس، ثم كبله في السلاسل والأغلال؛ لأنه كتب كتابا في

التوحيد، قال فيه: إن الأمر كله لله، لا ينبغي أن يطلب الخير، ودفع الضر من

غيره - عز وجل - بعد العجز عن الأسباب التي سنها، واستعمال القوى التي وهبها

فصار إظهار التوحيد الخالص ممنوعا بهذه الحكومة في حرم الله، وقد كان أعظم

مظهر له في أرض الله.

هذا واليابان تفاخر أوربا بالحرية والعدل وحكم الشورى، وإيران تحاول

مجاراتها في ذلك، ومصر لا حديث لها إلا المجلس النيابي، فمن أبنائها من يلح

بطلبه الآن، ومنهم من يقول: يجب أن نعد له أولا عدته، ونكتفي الآن بتوسيع

اختصاص مجلس الشورى ومجلس المديرات.

وقد سبقهم العثمانيون إلى المطالبة بإعادة القانون الأساسي ومجلس (المبعوثان)

(أي: النواب) ، وترى أهم حديث للجرائد التونسية في هذه الأيام حديث مجلس

الشورى عندهم، والمطالبة بإنصاف التونسيين من الأوربيين.

لكن الفرق بين المصري وأخيه العثماني؛ أن الأول يجهر بطلبه في بلده،

ويناقش حكومته جهرا، في المجالس الرسمية، وفي الجرائد، وفي المحافل العامة

والخاصة، وقد يطعن عليها وعلى القوة المشرفة عليها، وهي تبيح له ذلك.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ١١٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ١١٧