المشتركة بين جنس البشر.
(الرابع) أن العلماء الخاصة يعلمون من نصوص رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - الموجبة عليهم التبليغ ومن تعظيمهم لأمر الله ورسوله ومن دين
آحادهم مثل الخلفاء، ومثل ابن مسعود وأبي ومعاذ وأبي الدرداء إلى ابن عمر
وابن عباس وابن عمرو وغيرهم، يعلمون علما يقينا لا يتخالجه ريب، امتناع
هؤلاء من كتمان قواعد الدين التي يجب تبليغها إلى العامة، كما يعلمون امتناعهم من
الكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويعلم أيضا أهل الحديث مثل
أحوال المشاهير بمعرفة ذلك، مثل الزهري وقتادة ويحيى بن أبي كثير ومثل
مالك والثوري وشعبة وحماد بن زيد وحماد بن سلمة وغيرهم، أمورا يعلمون
معها امتناعهم من الكذب، وامتناعهم عن كتمان تبليغ هذه الأمور العظيمة التي
تأبى أحوالهم كتمانها لو كانت موجودة، ولهم في ذلك أسباب يطول شرحها،
وليس الغرض هنا تقرير ذلك، وإنما الغرض التنبيه على ما وقع من الشبهة
لبعض الناس من أهل الأهواء.
قالوا: هذا الذي ذكرتموه معارض بأمر الأذان والإقامة، فإنه كان يفعل على
عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - كل يوم خمس مرات، ومع هذا فقد وقع
الاختلاف في صفته. وكذلك الجهر بالبسملة والقنوت في الفجر، وحجة الوداع من
أعظم وقائعه، وقد وقع الاختلاف في نقلها، وذكروا نحو هذه الأمور التي وقعت
فيها الشبهة والنزاع عند بعض الناس، وجعلوا هذا معارضا لما تقدم؛ ليسوغوا أن
يكون من أمور الدين ما لم ينقل، بل كتم لأهواء وأغراض. وأما جهة الرأي
والتنازع فإن تنازع العلماء واختلافهم في صفات العبادات، بل وفي غير ذلك من
أمور الدين، صار شبهة لكثير من أهل الأهواء من الرافضة وغيرهم.
وقالوا: إن دين الله واحد، والحق لا يكون في جهتين {ولو كان من عند غير
الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} (النساء: 82) ، فهذا التفرق والاختلاف دليل على
انتفاء الحق فيما عليه أهل السنة والجماعة، ويعبرون عنهم بعبارات: تارة يسمونهم
الجمهور، وتارة يسمونهم الحشوية، وتارة يسمونهم العامة.
ثم صار أهل الأهواء لما جعلوا هذا مانعا من كون الحق فيما عليه أهل
السنة والجماعة، كل ينتحل سبيلا من سبل الشيطان، فالرافضة تنتحل النقل عن
أهل البيت لما لا وجود له، وأصل من وضع ذلك لهم زنادقة مثل رئيسهم الأول
عبد الله بن سبأ الذي ابتدع لهم الرفض، ووضع لهم أن النبي صلى الله عليه
وسلم نص على علي بالخلافة، وأنه ظلم ومنع حقه، وقال: إنه كان معصوما،
وغرض الزنادقة بذلك التوسل إلى هدم الإسلام، ولهذا كان الرفض باب الزندقة
والإلحاد. فالصابئة المتفلسفة ومن أخذ ببعض أمورهم أو زاد عليهم، من
القرامطة والنصيرية، والإسماعيلية، والحاكمية وغيرهم، إنما يدخلون إلى
الزندقة والكفر بالكتاب، والرسول، وشرائع الإسلام، من باب التشيع والرفض.
والمعتزلة ونحوهم تنتحل القياس العقل، وتطعن في كثير مما ينقله أهل السنة
والجماعة، ويعللون ذلك بما ذكر من الاختلاف ونحوه، وربما جعل ذلك بعض
أرباب الملة من أسباب الطعن فيها وفي أهلها، فيكون بعض هؤلاء المتعصبين
ببعض هذه الأمور؛ ساعيا في هدم قواعد الإسلام الكبار.
فصل
إذا تبين بعض ما حصل في هذا الاختلاف والتفرق من الفساد، فنحن نذكر
طريق زوال ذلك، ونذكر ما هو الواجب في الدين في هذه المنازعات وذلك ببيان
الأصلين اللذين هما: السنة والجماعة المدلول عليهما بكتاب الله، فإنه إذا اتبع
كتاب الله وما تضمنه من اتباع رسوله والاعتصام بحبله جميعا؛ حصل الهدى،
وزال الضلال والشقاء.
أما الأصل الأول وهو الجماعة وبدأنا به؛ لأنه أعرف عند عموم الخلق،
ولهذا يجب عليهم تقديم الإجماع على ما يظنونه من معاني الكتاب والسنة، فنقول:
عامة هذه التنازعات إنما هي في أمور مستحبات ومكروهات، لا في واجبات
ومحرمات، فإن الرجل إذا حج متمتعا أو مفردا أو قارنا، كان حجه مجزئا عند