العناية في ضبط الأحاديث، والرواية حفظا وكتابة، ومن وفور الاحتياط، وعظيم
التثبت عند أدائها، وتبليغها للأمة.
والعقل يحكم طوعا بالقطع، وضرورة باليقين أن الجم الغفير والجمع الكثير
الذين أخذوا القرآن تلقيا عنه عليه السلام في تضاعيف عشرين سنة، وضبطوه حفظا
في الصدور، وثبتا في الصحائف والسطور، لا يجوز عليهم التخليط فيه ولا التغيير.
وشعر الأقدمين مع أنه لا يمكن أن يظهر ظهور القرآن، ولا أن يحفظ كحفظه، ولا
أن يضبط مثل ضبطه، ولا أن تمس الحاجة إليه مساسها للقرآن، لو زيد فيه بيت
أو لفظ، أو غير فيه حرف أو حركة، لتبرأ منه أصحابه، وأنكره أربابه، وطعن
فيه عارفوه، وجحده راووه.
وقد شوهد ذلك في كثير من الأشعار والخطب والأراجيز، يعرفه من يعتني
بلغة العرب ورواياتها.
فإذا كان ذلك مما لا يمكن في شعر الأقدمين. فكيف يجوز وقوعه في القرآن
مع العناية الصادقة، والضبط المتقن، والعلم بأنه دليل النبوة، ونور الشريعة،
وملجأ الأمة؟
البرهان الرابع: أن العلم بالقرآن كله وجملته فاق في الوضوح والاشتهار
أشهر المتواترات من كبار الحوادث، وعظائم الوقائع، ومهمات الأمور،
وحواضر الأحوال، والعلم بآيات القرآن، وسوره، وتفاصيله، وأبعاضه، عند
حفاظه ورواته في العصر الأول، كالعلم به كله وجملته: فإن العناية إذ ذاك توفرت،
والدواعي اشتدت، والقرائح انبعثت إلى حفظه الراسخ، وضبطه المتقن، والغايات
تباينت، والأغراض اختلفت: فمنهم من يضبطه لإتقان قراءته ومعرفة وجوهها
وصحة أدائها. ومنهم من يحفظه لاستنابط الأحكام وبيان تعاليم الإسلام، ومنهم من
يقصد بحفظه معرفة تفسيره ومعانيه، والوقوف على غامضه وغرائبه. ومنهم
من يعجبه بالغ فصاحته، وفائق بلاغته، ورائق أسلوبه، وشائق نظمه، وعجيب
تأليفه. ومنهم من يحفظه استلذاذا بتلاوته واستحبابا في كرامته، وتقربا بقراءته،
وتعبدا بدراسته، ومنهم من يحفظه لمجرد التشرف بشرف حمله، والقيام بواجب
أدائه وتعليمه وهو الأغلب.
فبالضرورة لا يمكن على أهل هذه الهمم العالية، والأغراض المتفاوتة،
والغايات المتباينة، مع كثرة أعدادهم وتباعد بلادهم أن يجتمعوا على التحريف
والتغيير، ويتواضعوا على التبديل.
البرهان الخامس: لا يخفى على الخبير بعلوم القرآن وطرقه الثابتة؛ أنه لم
ينقض عصر الرسالة إلا وتتابع التابعون، وأخذوا عن الصحابة مباشرة، وقل
فيهم من لا يحفظ كل القرآن. وكان الرجل لا يكون عظيما في الأعين، ولا يعد
صاحب حديث ما لم يحفظ عشرات آلاف من الحديث. فتتبعوا حفظه الصحابة في
كل زمان ومكان، فما بلغهم أن صحابيا كذا، يحفظ آية كذا، بلغة كذا من اللغات
التي نزل بها القرآن - وسأبين معنى اللغات والأحرف في القرآن، بما لا أظن أن
الحق يتعداه إن شاء الله - إلا ارتحلوا إليه وتلقوا عنه، حتى جمعوا القراءات التي
قرأ بها القرآن بين يدي النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم جاء قرن كان حفظ
القرآن عندهم؛ كأنه أمر لازم، وكأن أقطار حوافظهم قد امتدت، ودوائر إحاطتهم
قد اتسعت. فكثر فيهم من يحفظ مئات ألوف من الحديث، ومن يحفظ أشعار
الجاهلية، وأيام العرب، وخطبها، وأمثالها، وأراجيزها، ما لا تسعها ضخام
الأسفار، كانوا يحفظون كل ذلك؛ لأجل القرآن وعلومه، فوضعوا علوم الرسوم
والتجويد والقراءات، وعلوم الدين وكل مبادئها.
وكان من أساس دينهم في الله تشديد النكير على البدع، وشدة الاعتصام بالسنة
الثابتة، والمحافظة على ما ورد، والوقوف عند حد أمر ثبت. وما مضى قرن إلا
وجاء الذي بعده محققا باحثا في علوم القرآن، جاريا على ما جرى عليه سلفه. كل
إنسان أحاط بعلوم القرآن خبرا يعلم أن طرقه ورسمه واختلاف رواياته كلها
توقيف، لم يتصرف فيها أحد بشيء. فوقوع التحريف في القرآن من مثل هذه الأمة
غير ممكن.
البرهان السادس: الصدر الأول كان محاطا بالأعداء من اليهود وغيرهم.