التغيير في القرآن، وقالوا: إن العلم بتفاصيل القرآن وأبعاضه كالعلم بكله وجملته.
فمن رام في إسقاط بعض آيات نزلت، فليسع أولا في رفع كل القرآن، وكتم
أخبار انتشرت. وما نقل عن بعض علماء الشيعة من سقوط بعض آيات نزلت، فلا
أرى أن ذلك كان رأيا لهم يرونه، إنما ذلك من جملة بقايا أخبار كانت تنشر من
عند الذين يحبون أن تشيع الفاحشة والفتنة في المسلمين، ومن عند الذين يبغون
خبالا ويسعون فسادا في الدين.
وقد كانت مثل هذه الأخبار أنفع وسيلة في الحصول على أغراضهم السياسية
ففازوا فوزا عظيما في دعوتهم، ونالوا فوق ما أملوا في كسر شوكة الأمة
الإسلامية وتفريق وحدتهم وقد دس هؤلاء من أباطيل الأخبار شيئا كثيرا في
الدين، قد تلقاه واغتر به قوم من أهل الخير؛ فأدخلوه في دواوين الأحاديث
والأخبار، وأسفار السنن والآثار.
وقد من الله علينا؛ إذ جعل فينا رجالا عدولا ميزوا سنن نبينا عن
موضوعات الأخبار، وأكاذيب الآثار، فسقونا من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا
للشاربين. هذا وكل ما ذكرته من تاريخ القرآن والمصاحف فهو حق؛ لأن الأمر
كان ووقع كذلك، ومن ادعى انتصاف الشمس في النهار، فإنما عليه أن يشير إلى
ما هنالك، ومن خالف فلا يعتد به، فإن الخلاف في ذلك مضاف إلى قوم نقلوا
أخبارا ظنوا صحتها، لا يرجع بمثلها عن المعلوم المقطوع بصحته، وإلى قوم أتوا
بأقوال لا يقوم لها من عالم الشهود شاهد، ولو أننا سلكنا مسلكهم، واستجزنا
التدليس على أنفسنا، وارتكبنا ما لم يرتكب سلفنا؛ لأتينا بما يبلس به خصومنا أسفا
لكن يكفينا في بيان الحق أن نأتي بما كان، وليس من شأن العاقل أن يتمسك بما بعد
عن الحق وبان. وحيث وفينا الموضوع بعون الله - تعالى - بما استطعنا من البيان.
وكان ذلك خير ما جنينا، وخيار ما اقتطفنا من حدائق الأعيان، رأينا من واجب
الإحسان علينا أن نأتي بما يدل على امتناع وقوع التحريف في القرآن.
ونحن الآن نأخذ بحول الله وقوته في إجمال ما فصله العلماء في ذلك، وأن
نجمع ونلتقط ما انتشر في صحائف الدواوين من هنا وههنا وهنالك.
البرهان الأول: أن النبي- صلى الله عليه وسلم - انتقل والصحابة ألوف
مؤلفة ما منهم أحد إلا وهو يحفظ قسطا وافرا من القرآن، وفيهم مئات يحفظونه كله
بتمام الضبط والإتقان عن ظهر قلب. ثم إن الكثير منهم تشتتوا إثر ذلك في الأقاليم
وانتشروا في الأقطار؛ استيطانا بمواطنهم الأصلية، أو تعينا لعمل من الأعمال
الملكية والدينية. ثم نسخت المصاحف ووصلت إلى هذه الأعداد الكثيرة في المدن
والبلاد، فلو كان وقع تغيير في كلمة أو تحريف في حرف؛ لظهر ولثارت الأمة،
وهاجت الخواطر على جامعي المصاحف، وقاتلوهم قتالا، ولارتد كثير من
الناس؛ لأن اندساس أقل تغيير فيه بجهل العباد، أو وقوع تصرف فيه الأفكار
وكيد أهل الفساد، يقضي بأنه غير منزل من عند الله - سبحانه وتعالى - لكنا لم
نسمع أن أحدا من مسلم وغيره عارض في شيء من القرآن، وادعى ذلك فيه. ولو
وقع حبة تغيير فيه في العصر الأول، لوقع تغييرات في العصور الأخيرة، على
سنن قانون الطبيعة في النمو. لكن القرآن قضى من أجله ثلاثة عشر قرنا وزيادة،
وملأت المصاحف وجه الأرض وطباقها، ولم يوجد مصحف يختلف عن الآخر
بحرف واحد.
البرهان الثاني: أن القرآن أكبر دلائل النبوة به ظهر الدين وعز شوكة
المسلمين، هو آية ظلت أعناق الجبابرة لها خاضعين، فأذعنوا له بخفض الجناح
طائعين لأوامره، عاملين بأحكامه. فلا يمكن أن يرضي الأمة تحريف شيء منه،
ولو كان دونه بذل المهج والنفوس.
البرهان الثالث: من ألم بتاريخ الصحابة، ونظر نظرة في صحاح الأحاديث
يعلم أتم العلم ما كانت عليه الصحابة من غاية الاعتناء، ونهاية الاهتمام في حفظ
القرآن وضبطه، حتى مقادير المدات، وتفاوت الإمالات، ويعرف ما لهم من مزيد