إلا هذه المدارس فإذا جاز أن يكتسب التلميذ بعض ما يفوته من الأحكام الدينية في
المدرسة بمعاشرة أهل العلم الديني وحضور مجالسهم وسماع الخطب الدينية في يوم
الجمعة وحضور دروس الوعظ في المسجد فمثل هذا لا يتأتى للبنات ولا للنساء؛
لأنه ليس فيهن عالمات بأمور الدين فيقتبس بعضهن من بعض ولم تجر العادة
بحضورهن الجمعة ومجالس العلم في المساجد.
ثم إن البنات أحوج من الصبيان إلى الدين عقائده وأعماله وآدابه لسبب آخر
وهو أن صنفهن في الشرق لا يزال في تأخر عظيم، والنسبة بين الرجال والنساء في
مصر كالنسبة بين المصريين والزنوج فإذا قرأت جريدة أو كتابا على رجل وامرأة
من الأميين، فإن الرجل يفهم منك ما لا تفهم المرأة، وأكثر النساء لا يفهمن من
المقروء شيئا ما؛ لذلك نشكر للحكومة ما نراه من الرغبة في تعليم البنات ولكن
التعليم بغير تربية قليل الجدوى، ولا يزال أكثر الناس عندنا يعتقد ضرر التعليم
للبنات وليس لنا من هؤلاء المتعلمات في المدارس حجة عليهم، فإن آداب هؤلاء
البنات غير مرضية والسبب في ذلك عدم العناية بالتربية التي ملاكها الدين. فإذا
كانت الحكومة توافقنا على أن الحاجة إلى تعليمهن أشد لأنهن أضعف عقلا؛ فعليها
أن توافقنا على أن الحاجة إلى تربيتهن أشد أيضا لأنهن أضعف نفسا.
وهناك وجه ثالث لوجوب العناية بتربيتهن أكثر من تعليمهن وهو أن
وظيفتهن الطبيعية هي التربية لا التعليم فيجب أن تكون التربية هي المقصودة لهن
بالذات من المدارس وأن يكون التعليم ممدا لها ومساعدا عليها. ونظارة المعارف لا
تخالفنا في أن ملاك التربية الدين لا سيما عند المسلمين ولا تقدر أن تنكر تقصيرها
في تعليم الدين وإهمالها لتربيته.
وإن تعجب فعجب أن موظفي النظارة من غير المسلمين كانوا ولا يزالون أشد
محافظة على آداب البنات الإسلامية من كبار الموظفين المسلمين. فمن ذلك أن
بعض الضباط من الإنكليز كان يعلم البنات في المدرسة السنية الألعاب الرياضية
البدنية وهي ضروب شتى منها الانحناء والانثناء وتحريك بعض الأعضاء دون
بعض، وكان المعلم لا يستغني في تعليمه عن اللمس والجس وربما تبع ذلك الجت؛
فراع الأمر بعض المعلمين الذين لم يفقدوا نعرة الدين فاحتالوا في تبليغ ذلك بعض
كبار الموظفين في المعارف من المسلمين وما كانوا جاهلين فلم يفد ذلك حتى اتفق
أن زار المدرسة يعقوب باشا وكيل النظارة ورأى بعينه ما رأى فعاد إلى الديوان
وأصدر أمرا بمنع ذلك.
واذكر خبر (مسز جريفنس) الناظرة الأولى للمدرسة السنية التي كانت قبل
(فوربز) التي عزلت في السنة الماضية فلقد كانت من خير ما أنبتت أرض
الإنكليز تربية وحرية وفضيلة وإنصافا ولا أغلو في الإطراء إذا صعدت بها أفق
الفلاسفة والحكماء. ومن أثرها أن اقترحت على نظارة المعارف أن تلزم جميع
البنات في مدارسها بتعلم الديانة الإسلامية والتربية عليها عملا. قالت: إن تعليما
بلا تربية لا يفيد، وإن التربية لا تكون بغير دين وإن توحيد طرق التربية والتعليم
ضروري فلا يصح أن يكون في مدرسة واحدة دينان، وإن أولى الأديان
بالترجيح في مدارس حكومة إسلامية وبلاد إسلامية هو دين الحكومة وأكثر أهالي
البلاد فالنتيجة أنه يجب على نظارة المعارف تعميم الديانة الإسلامية في مدرسة
البنات وجعلها إلزامية.
ومن آثارها تقنيع البنات، وكن قبلها في المدارس حاسرات، فأخبرها
بعض المعلمين لما عرف فضلها بأن كشف رءوس البنات أمام المعلمين محرم في
الديانة الإسلامية وأن الصلاة لا تصح من مكشوفة الرأس، فكتبت إلى النظارة
تطلب أن تجعل لكل بنت في المدرسة قناعين في السنة فأجيب طلبها، فطلب هذه
الناظرة الحكيمة الفاضلة تعميم التربية الدينية حجة على النظارة وقد كانت إحدى
(ضمانات) ناظر المعارف ولكنها لم تغن شيئا بل لم يطل عليها الأمد في المدرسة