تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فأجابه (الصاحب الهندي) : إني كنت أيضا أظن أنه يوجد في البشر أفراد

ممن لا دين لهم، وإن من كانوا كذلك لا خلاق لهم، ثم إن اختباري الطويل قد برهن

لي على أن الدين بمعناه العام وهو إدراك النفس وجود قوة غالبة تتصرف بالكائنات،

والخضوع لهذه القوة على وجه يقوم في الفكر هو أمر فطري في البشر، وإن قولهم:

فلان دهري أو طبيعي هو صفة لمن يتوهم أن تلك القوة هي الدهر أو الطبيعة فيدين

لما يتوهم، فثبت عندي ما يقرره الأخلاقيون من أنه لا يصح وصف صنف من

الناس بأنهم لا دين لهم مطلقا، بل كل إنسان يدين بدين إما صحيح أو فاسد عن

أصل صحيح، وإما باطل أو فاسد عن أصل باطل، والفاسدان يكون فسادهما إما

بنقصان، أو بزيادة، أو بتخليط، فهذه أقسام ثمانية.

فالدين الصحيح كافل بالنظام والنجاح في الحال والسعادة والفلاح في المآل،

والباطل والفاسدان بنقصان قد يكون أصحابهما على نظام ونجاح في الحياة على

مراتب مختلفة، وأما الفاسدان بزيادة أو بتخليط فمهلكة محضة، ثم أقول: بما كان

تقريري هذا غريبا في بابه فألتمس أن لا يقبل ولا يرد إلا بعد التدقيق والتطبيق؛

لأنه أصل مهم لمسألة الفتور العام المستولي على المسلمين.

(قال الرئيس الأستاذ) : إني أجلكم أيها السادة الأفاضل عن لزوم تعريفكم

آداب البحث والمناظرة، غير أني أنبه فكركم لأمر لا بد أن يكون في نفوسكم جميعا،

أو تحبوا أن يصرح به ألا وهو عدم الإصرار على الرأي الذاتي وعدم الانتصار له،

واعتبار أن ما يقوله ويبديه كل منا إن هو إلا خاطر سنح له فربما كان صوابا أو

خطأ، وربما كان مغايرا لما هو نفسه عليه اعتقادا وعملا، وهو إنما يورده في

الظاهر معتمدا عليه، وفي الحقيقة مستشكلا أو مستثبتا أو مستطلعا رأي غيره، فلا

أحد منا ملزم برأي يبديه ولا هو بملوم عليه، وله أن يعدل أو يرجع عنه إلى ضده؛

لأننا إنما نحن باحثون لا متناظرون، فإذا أعجبنا رأي المتكلم منا أثناء خطابه

إعجابا قويا فلا بأس أن نجهر بلفظ (مرحى) [1] تأييدا لإصابة حكمه وإشعارا

باستحسانه، فلنمض في بحثنا عن أسباب الفتور العام على هذا النسق.

قال (الفاضل الشامي) : إني أرى منشأ هذا الفتور هو بعض القواعد

الاعتقادية والأخلاقية، مثل العقيدة الجبرية التي من بعد كل تعديل فيها جعلت الأمة

جبرية باطنا قدرية ظاهرا (مرحى) ومثل الحث على الزهد في الدنيا والقناعة

باليسير والكفاف من الرزق، وإماتة المطالب النفسية كحب المجد والرياسة والتباعد

عن الزينة والمفاخر والإقدام على عظائم الأمور، وكالترغيب في أن يعيش المسلم

كميت قبل أن يموت، وكفى بهذه الأصول مفترات مخدرات مثبطات معطلات لا

يرتضيها عقل ولم يأت بها شرع، ولمثلها نفى عثمان بن عفان رضي الله عنه أبا ذر

الغفاري إلى الربذة.

فأجابه (البليغ القدسي) : إن هذه الأصول الجبرية والتزهيدية الممتزجة

بعقائد الأمة وما هو أشد منها تعطيلا للأخذ بالأسباب، ولنشأة الحياة موجودة في

جميع الديانات؛ لتعدل من جهة شره الطبيعة البشرية في طلب الغايات، وتدفعها إلى

التوسط في الأمور، ولتكون من جهة أخرى تسلية للعاجزين وتنفيسا عن المقهورين

البائسين وتوسلا إلى حصول التساوي بين الأغنياء والفقراء في مظاهر النعيم.

ألا يرى إجماع كل الأديان على اعتقاد القدر خيره وشره من الله تعالى، أو

خيره منه وشره من النفس أو من الشيطان، ومع ذلك ليس في البشر من ينسب أمرا

إلى القدر إلا عند الجهل بسببه سترا لجهله، أو عند العجز عن نيل الخير أو دفع الشر

سترا لعجزه، وحيث غلب أخيرا على المسلمين جهل أسباب المسببات الكونية

والعجز عن كل عمل التجأوا إلى القدر والزهد تمويها لا تدينا. وهذا التبتل

والخروج عن المال من أعظم القربات في النصرانية، فهل كان قصد شارع

الرهبانية أن ينقرض الناس كافة بعد جيل واحد، أم كان قصده أن يشرعها على أن

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٣١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٣١