كانت سوق الفلسفة رائجة عندهم ولكنه ليس من الاضطهاد في شيء وإنما هي نفرة
الإنسان مما لا يعرف مع ترك صاحبه وشأنه يمضي في سبيله إلى حيث يشاء.
يقول آخرون: إن التاريخ يروي لنا أن بعض أرباب الأفكار قد أخذه السيف
لغلوه في فكره فلم يترك له من الحرية ما يتمتع به إلى منتهى ما يبلغ به وليس
يصح أن ينكر ما صنع الخليفة المنصور وغيره بالزنادقة.
وأقول: إن كثيرا من الغلو إذا انتشر بين العامة أفسد نظامها وأضر بأمنها
كما كان من آراء الحلاج وأمثاله [5] فتضطر السياسة للدخول في الأمر لحفظ أمن
العامة فتأخذ صاحب الفكر لا لأنه تفكر ولكن لأنه لم يرد أن يقصر حق الحرية على
شخصه بل أراد أن يقيد غيره بما رآه من الحرية لنفسه مع أن غيره في غنى عما يراه
هو حقا له، وتخشى الفتنة إذا استمر مدعي الحرية في غلوائه لهذا يرى حفاظ النظام
أن أمثال هؤلاء يجب أن ينقى منهم المجتمع صونا له عما يزعزع أركانه. ونحن
نرى الفلسفة اليوم تضطهد الدين هذا الضرب من الاضطهاد. ألم تقض الحكومة
الفرنسية على الراهبين والراهبات أن تكون جمعياتهم ومدارسهم تحت سيطرة
الحكومة وأن لا ينشأ شيء منها إلا بإذن من الحكومة، ومن لم يخضع لذلك تنحل
جمعيته وتقفل مدارسه بقوة السلاح. وقد ينفى من البلاد كما نفي كثيرون في سنين سابقة؟ ولكن هل يسمى هذا اضطهادا؟ كلا ولكن الاضطهاد حق الاضطهاد هو اضطهاد محكمة التفتيش واضطهاد رؤساء الإصلاح بعدها في أول نشأتهم.
ماذا يقول القائلون؟ إن التعليم عند المسلمين كان غريبا أمره، يكاد يكون خفيا والمتكلم والمحدث والنحوي والمتأدب والفيلسوف والفلكي والمهندس! ينتقل الطالب من بين يدي الفقيه ليجلس بين يدي الفيلسوف ومن مجلس الحديث إلى مجلس الأدب. وإذا وقعت مذاكرة بينهم في مسألة من المسائل أخذت الحرية مأخذها في الإقناع والإلزام وسقطت قيمة الغلو في التعبير وأخذ التسامح بينهم مأخذه. كان عمرو بين عبيد رئيس المعتزلة وأشدهم صلابة في أصول مذهبه ومع ذلك هو من مشايخ الإمام البخاري صاحب الصحيح وكانت له منزلة عند المنصور تعلو كل ذي منزلة عنده حتى قال له يوما وهو خارج من بين يديه: (رميت لكل الناس حبا فلقطوا إلا أنت يا عمرو بن عبيد) فانظر كيف كان لإمام من أئمة السنة أن يصل سنده في الحديث برئيس من رؤساء المعتزلة ولا يرى في ذلك بأسا.
إذا عد عاد بعض رجال العلم الذين أخذتهم القسوة في الإسلام وقتلتهم حماقة
الملوك بإغراء الفقهاء وأهل الغلو في الدين فما عليه إلا أن ينظر في أحوالهم فيقف
لأول وهلة على أن الذي أثار أولئك عليهم ليس مجرد العصبية للدين، وأن ليست
الغيرة عليه هي الباعث لهم على الوشاية بهم وطلب تنكيلهم. وإنما تجد الحسد هو
العامل الأول ذلك كله والدين آلة له. ولهذا لا ترى مثل ذلك الأذى يقع إلا على
قاضي قضاة (كابن رشد ورجوع الحاكم إلى العفو عنه وإنزاله منزلته دليل على
ذلك) أو وزير أو جليس خليفة أو سلطان أو ذي نفوذ عظيم بين العامة. وهذا كما
يقع من الفقهاء مثلا لإيذاء الفلاسفة يقع من الفقهاء بعضهم مع بعض لإهلاك بعضهم
بعضا كما يشهد به العيان ويحكي لنا التاريخ، فليس هذا كذلك معدودا من معنى
اضطهاد الدين للفلسفة؛ لأن التحاسد أكثر ما يقع بين من لا دين لهم على الحقيقة
وإن لبسوا لباسه. وإنما ذلك الاضطهاد هو الذي يحمل عليه محض الاختلاف في
العقيدة أو ظن المخالفة للدين في شيء من العلم أو العمل لضيق الدين عن أن يسع
المخالف بجانبه وهذا لم يقع في الإسلام، اللهم إلا أن يكون حادث لم يصل إلينا.
هذه طبيعة الدين الإسلامي عرضت عليك في أهم عناصرها ومقومات مزاجها.
وهذا كان أثرها في العالم الشرقي والغربي. وهذه سعة فضل الدين وقوته على
احتمال مخالفيه وتيسيره لأولئك المخالفين أن يحتموا به متى رضوا بأن يستظلوا